الخوف من عقل يُفكك الجهل: لماذا تُطارد مجتمعاتنا الفلسفة وتخشى العلوم الاجتماعية؟
الخوف من عقل يُفكك الجهل: لماذا تُطارد مجتمعاتنا الفلسفة وتخشى العلوم الاجتماعية؟
بقلم: عبد المجيد عبوبي
تتلخص الأزمة الفكرية التي تعيشها مجتمعاتنا في معادلة بسيطة: الفلسفة والعلوم الاجتماعية تطلب منك أن “تفهم وتسأل”، بينما العقلية التقليدية تريد منك أن “تحفظ وتطيع”.
المشكلة ليست في الفلسفة، بل في “السؤال”:
تُقبَل علوم كالطب والهندسة لأن نتائجها مادية ومباشرة. أما الفلسفة وعلم الاجتماع فيُحاربان لأنهما يقتحمان الممنوعات (السياسة، الدين، العادات، السلطة، والعائلة). عندما يسأل الفرد: “لماذا نؤمن بهذا؟ وما أصل تلك الفكرة؟”، يُترجم السؤال فوراً على أنه “قلة أدب” أو “إلحاد” أو “تمرد”، للتغطية على العجز عن تقديم حجة عقلية.
التعليم يخرّج “حفاظاً” لا “مفكرين”:
نظامنا التعليمي يُرسخ فكرة الإجابة الواحدة الصحيحة المطلوبة في الامتحان. ينشأ الطالب على استظهار المعلومات دون نقدها، حتى يُصبح كتم التفكير عادة مجتمعية. ولذا نجد أشخاصاً يحملون أعلى الشهادات العلمية، لكنهم يمتلكون عقولاً مغلقة ترفض النقاش وتخاف من الاختلاف.
لعبة السلطة والمجتمع (الرقابة المزدوجة):
تخشى السلطة السياسية العلوم الإنسانية لأنها تُنتج مواطناً واعياً بحقوقه، وتخشى البيئة الاجتماعية الفلسفة لأنها تكشف عيوب التقاليد الموروثة. تحول المجتمع بنفسه إلى رقيب يُحارب كل تفكير حر خوفاً من فقدان الهوية أو السيطرة.
تشخيص المفكرين العرب للأزمة:
محمد عابد الجابري: أشار إلى أن مجتمعاتنا انحازت لـ “البيان والعرفان” واستبعدت “البرهان” والعقلانية الرشدية.
محمد أركون: أوضح كيف أغلق الفكر التقليدي والمؤسسات السياسية باب الاجتهاد لحماية المعتقدات والشرعية القائمة.
حسن حنفي: رأى أن الغرب استغل عقلانية ابن رشد للتحرر من الاستبداد، بينما عجزنا نحن عن استغلالها للنهوض بمجتمعاتنا.
محمد عزيز الحبابي: أكد أن غياب الفلسفة أدى إلى ضمور “الشخص المستقل” لصالح “المجموع المنقاد”.
درس التاريخ: كيف أحيَت الفلسفة أوروبا وقتلتنا الخصومة معها؟
أخذت أوروبا من مفكرينا (مثل ابن رشد) العقلانية والبحث العلمي لبناء نهضتها وتفكيك هيمنة الكنيسة، بينما تمسكت مجتمعاتنا بالفكر النظري المغلق ورمت الفلسفة بالتهم. غياب العلوم الاجتماعية يجعل المجتمع عاجزاً عن فهم أزماته (كالفقر والتطرف)؛ فيفسرها بتسطيح أخلاقي بدلاً من حل أسبابها الجذرية.
الفلسفة ليست دعوة للإلحاد، والعلوم الاجتماعية ليست محاولة لهدم المجتمع. إنهما أداة للتفكير والفهم. والمجتمع الذي يحارب الفلسفة يتنازل طواعية عن عقله، ليظل يعيش على إجابات جاهزة وضعها له الآخرون.
وسؤالي هل توجد مدرسة بدون ايديولوجيا
