شطحات العدم: في خراب الذات وفتنة الغياب

أنا الكائن الذي كلما حاول أن يعرّف نفسه، اكتشف أن التعريف مقصلةٌ خفية، وأن الأسماء ليست سوى قبورٍ صغيرة نحملها داخل اللغة ونمشي.

لم أولد دفعةً واحدة كما يظن العابرون، بل تشكلتُ من انكساراتٍ متعاقبة، من خرابٍ يتناسل داخل خراب، حتى صرتُ أشبه بأطلال روحٍ نجت من حريقٍ كونيٍّ قديم.

منذ طفولتي الأولى، كان في داخلي شعورٌ غامض بأن هذا العالم ناقص، وأن الأشياء ليست كما تبدو.

كنتُ أرى الوجوه فأشعر أنها ترتدي نفسها على سبيل التمثيل، وأسمع الكلمات كأنها صدى بعيد لحقيقةٍ ماتت قبل وصولها إلينا.

حتى الحب، لم أره يوماً طمأنينة، بل رأيته هاويةً مضيئة يسقط فيها القلب طوعاً، ليكتشف أن أقصى أشكال الوصل هو الفقد.

لهذا كنتُ أميل دائماً إلى الحيرة، كأنها وطني السرّي.

الحيرة ليست عجزاً عن الفهم، بل تجاوزٌ له؛ لأن الحقيقة حين تُدرَك بالكامل تموت، وتصير مجرد معلومة باردة.

أما ما يبقى حيّاً، فهو ذلك الارتجاف الغامض في أعماق الروح، وذلك السؤال الذي لا يكف عن تمزيق اليقين.

أنا لا أثق كثيراً بالأجوبة النهائية.

الأجوبة تشبه الأبواب المغلقة، تمنحك شعوراً زائفاً بالأمان، بينما السؤال نافذةٌ مفتوحة على العدم.

ومن يطلّ طويلاً على العدم، لا يعود كما كان أبداً.

في ليالٍ كثيرة، كنتُ أشعر أنني أذوب ببطء داخل نفسي، كأن الذات مادةٌ هشة لا تحتمل كثافة التأمل.

كلما اقتربتُ مني، اكتشفتُ أنني أبعد مما أتصور، وأن داخلي متاهاتٍ لا قرار لها.

هناك، في أقصى العتمة، التقيتُ بالصمت.

ولم يكن الصمت غياب الكلام، بل حضوراً طاغياً لا تستطيع اللغة احتماله.

أدركتُ حينها أن الكلمات ليست سوى محاولاتٍ يائسة لترويض المجهول، وأن المعنى الحقيقي يبدأ حين تعجز العبارة عن حمله.

لهذا أحببتُ النصوص التي تشبه الهاوية، النصوص التي لا تمنح القارئ يقيناً بل توقظه على هشاشته.

فالكتابة عندي ليست شرحاً للعالم، بل فضحٌ لغرابته.

أنا أكتب لأنني أخاف الاختفاء، وأكتب لأنني أدرك أن الكتابة نفسها شكلٌ آخر من أشكال الاختفاء.

كلُّ إنسان يحمل عدماً صغيراً في داخله، لكن القليل فقط يجرؤون على النظر إليه.

أما البقية، فيملؤون حياتهم بالضجيج كي لا يسمعوا ذلك الفراغ وهو يناديهم من الداخل.

وقد تعبتُ من الضجيج.

تعبتُ من المدن التي تأكل أرواح ساكنيها ببطء،

من العلاقات التي تبدأ بالشغف وتنتهي بالعزلة،

من الوجوه التي تبتسم بينما أرواحها تتآكل بصمت.

أشعر أحياناً أن العالم كله يقوم على سوء فهمٍ هائل، وأن البشر يمضون أعمارهم في مطاردة أوهامٍ صنعوها بأنفسهم ثم صدقوها.

لكن رغم ذلك، ثمة جمالٌ خفي في هذا الخراب.

جمالٌ يشبه زهرةً تنبت فوق قبر، أو نجمةً تلمع في أقصى العتمة.

وربما لهذا السبب نستمر؛ لا لأن الحياة واضحة، بل لأنها غامضة إلى حدّ الفتنة.

الآن، لم أعد أبحث عن خلاص.

الخلاص فكرة اخترعتها الأرواح المتعبة كي تتحمل عبء الوجود.

أنا فقط أريد أن أفهم هذا الارتعاش الغامض داخلي،

هذا الحنين الذي لا أعرف إلى ماذا ينتمي،

وهذا الشعور الدائم بأنني غريب حتى عن نفسي.

أنا لستُ ذاتاً مكتملة، بل سؤالاً مفتوحاً على المجهول.

ولعل أجمل ما في الإنسان أنه لا يُكتمل أبداً.

لهذا سأظل أمشي في هذا التيه كمن يؤدي صلاةً سرية،

أحمل قلبي كقنديلٍ مرتجف في مهبّ العدم،

وأصغي لذلك الصمت البعيد…

كأنه النداء الأخير للحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى