صراع الأجيال – المرأة بين الفلسفة والقانون

  • الحديث عن المرأة هو في جوهره حديث عن نواة المجتمع وروحه، وقد يوحي لنا العنوان عن حالة الرّقة والروحانية التي تناسب الحديث عن النصف الرقيق والمحرك العاطفي والإنساني للكون. وبالتحليل السوسيولوجي والقانوني، نستدعي هيبة وفخامة السيسيولوجيا لتزن الأمور بميزان الحكمة والمنطق، فينقسم المشهد لمحاور..

في الشرق غالباً ما تُحاط المرأة بهالة من الرمزية العاطفية، فهي [الأم والرحم والتحصين الأخلاقي للمجتمع]، بينما في الغرب، ركزت الحداثة على الفردانية، والاستقلال الاقتصادي والقانوني كمعيار أساسي للقيمة النسوية.

المرأة اليوم لم تعد فقط حارسة الوجدان وبانية الأجيال في المنزل، بل دخلت معترك الإنتاج والقيادة الإدارية والمعرفية، فكيف يمكن للمجتمعات دعم المرأة لتحقيق هذا التوازن، دون أن تفقد أنسنتها، وعاطفتها الفطرية، ودون أن تقع تحت وطأة الاحتراق الوظيفي والاجتماعي.

-منذ إعلان حقوق الإنسان ومروراً باتفاقية “سيداو” (CEDAW)، والبروتوكولات الدولية المتعددة، حيث وُضعت أطر قانونية صارمة لحماية المرأة وتمكينها، لكن السؤال السوسيولوجي الأهم .. هل نجحت هذه البروتوكولات الدولية المصاغة غالباً برؤية غربية في مراعاة الخصوصيات الثقافية والروحية للمجتمعات الأخرى – أم أنها أحياناً تصطدم بالجدران الثقافية السائدة؟..

-هذا العمق وهذا الطرح يعيدنا إلى جذور الفلسفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية، حيث لا يمكن فهم “السمو” إلا من خلال تفكيك علاقة الإنسان بوجوده، وعلاقة المرأة بالكون والمجتمع. وإذا أردنا بوصلة لمُنظّر قوي يجمع بين فلسفة الإنسان ككل والمرأة خاصة، فلن نجد أعمق ولا أمتن من الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني [جورج زيمل] (Georg Simmel) ، وتحديداً في أطروحته الفريدة حول (فلسفة الثقافة) وكتاباته المرجعية عن (سيكولوجية المرأة) و(الأنثوي والثقافة الحديثة). زيمل لم ينظر للمرأة من زاوية حقوقية جافة، بل من زاوية وجودية وثقافية بالغة السمو، والبوصلة الفلسفية لها ثلاث ركائز كبرى..

  • حيث يرى زيمل أن التراجيديا الكبرى للإنسان الحديث – والرجل تحديداً هي التمزق والانفصال، فالرجل في الثقافة الحديثة يعيش مجزّأً بين أدواره – هو الموظف، والقاضي، ثم الأب والسياسي…الخ)، حيث ينفصل فيه الوجود عن الفعل. أما سمو المرأة عند زيمل، فيكمن في مفهوم الوحدة الوجودية المطلقة (Absolute Being)، فالمرأة لا تفعل الإنسانية بل تجسدها من خلال عاطفتها وعقلها وجسدها، وأمومتها، وإبداعها في ذلك ليس أجزاءً منفصلة، بل هي كتل متناغمة تنبض معاً، إنها تمثل الكينونة الثابتة والمركزية، بينما يمثل الرجل الحركة والانتشار الخارجي. -مبدأ السمو الأول -︎ المرأة هي نقطة الارتكاز الوجودية التي تحفظ للمجتمع توازنه الإنساني وسط صخب الحياة المادية وتشتتها.

-في فلسفة الإنسان يُنظر إلى العقل الجاف (العقل الأداتي) على أنه أداة السيطرة والقانون والبروتوكول، لكن زيمل يرى للمرأة نمطاً معرفياً أسمى يُسميه (الذكاء المتكامل). فالمرأة لا تفصل بين المنطق والشعور بل تملك قدرة فائقة على أنسنة المعرفة، وعقلنة العاطفة، وهو ما نسميه في فكرنا الحديث بالذكاء العاطفي والمجتمعي، سمو المرأة هنا يظهر في قدرتها على قراءة ما بين السطور، وفهم العلاقات الإنسانية بروح تكاملية لا بروح تصادمية أو نفعية بحتة.

هنا نصل إلى جوهر التشخيص للمجتمعات والبروتوكولات، حيث يميز زيمل بين نوعين من الثقافة..

*︎ الثقافة الموضوعية .. وهي كل ما يخترعه الإنسان من قوانين وتكنولوجيا ومؤسسات وبروتوكولات دولية (ثقافة صاغها الفكر الذكوري عبر التاريخ لتنظيم المادة والسيطرة).

  • الثقافة الذاتية .. (ثقافة الروح والأخلاق، والجمال وتربية الوجدان)، وسمو المرأة بحسب هذه البوصلة يجعلها حارسة ومصدر الثقافة الذاتية، وبدون هذا السمو الأنثوي تتحول القوانين والبروتوكولات الدولية إلى هياكل بيروقراطية جافة وبلا روح، فهي التي تمنح هذه الهياكل المعنى الإنساني.

الخوارزميات الرياضية تبحث دائماً عن نقطة الارتكاز التي تمنع النظام من الانهيار، وفي فلسفة الإنسان المرأة هي ذلك الارتكاز، فهي ليست مجرد كائن يفيض بالمشاعر، بل هي مُهندسة الوجدان في المجتمع. تمتلك المرأة قدرة فطرية على قراءة الانفعالات، وامتصاص الأزمات النفسية، وتحويل البيئة الجافة إلى بيئة قابلة للحياة، وهذا ليس ضعفاً عاطفياً كما توهمت بعض الفلسفات المادية القديمة، بل هو أعلى درجات الذكاء الإنساني، لأنه الذكاء الذي يحمي الروابط البشرية من التحلل المادي.

إذا كان الفكر الإنساني العام يميل أحياناً إلى التفكيك والتحليل الجاف – عزل الأسباب عن النتائج، فإن النظرة الثاقبة لعقل المرأة تُظهر أنه عقل شبكي وشمولي. فالمرأة تستطيع إدارة التعدد في آن واحد، وتخلق توازن بين التربية والإنتاج، والحفاظ على الهوية الأخلاقية، وإدارة التفاصيل الدقيقة دون أن تفقد الرؤية الكلية، كما انها لا تفصل الفكرة عن سياقها الإنساني، فالمعرفة عندها يجب أن تكون نافعة ومؤنسنة، وإلا فلا قيمة لها.

في لغة الأرقام هناك ما يُسمى بالـ “Entropy” أو (الميل الطبيعي للأشياء نحو الفوضى والتفكك). والمرأة في المجتمعات هي القوة المضادة لهذه الفوضى. فهي حارسة القيم والتاريخ الشفوي، وهي من تنقل اللغة والدين والعاطفة والأخلاق للأجيال، وبدون هذا الدور المركزي تصبح المجتمعات مجرد تجمعات وظيفية جافة – أفراد يعملون وينتجون دون رابط روحي. لذلك المرأة هي التي تحول التجمع إلى مجتمع، وتحول المسكن إلى وطن.

☆ المجتمعات اليوم ترتكب خطأً فادحاً عندما تحاول قياس قيمة المرأة بمدى تطابقها مع أدوار الرجل في الثقافة الموضوعية – الإنتاج المادي الجاف، متناسيةً سموها الوجودي الخاص. وإذا نظرنا من نافذة الشاعرية، فإن سمو المرأة يكمن في أنها اللحن الإنساني الذي يمنح القصيدة والمجتمع والكون وزنه وقافيته. ففكرة سمو المرأة تكمن في كينونتها المتكاملة التي تحمي المجتمعات من الجفاف المادي والمعنوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى