لحظات التجلي – فلسفة و علم نفس
لحظات التجلي – فلسفة و علم نفس
بقلم: محمد ميموني
هناك لحظات غريبة لا تشبه غيرها، لحظات أقف فيها أمام ورقة بيضاء وكأنني أقف أمام مساحة لا حدود لها، لا تنتظر مني مجرد كلمات، بل تنتظر جزءًا مني. أشعر أحيانًا بجوع عجيب، ليس جوع الجسد، وإنما جوع الروح إلى أن تقول شيئًا، إلى أن تخرج فكرة كانت مختبئة في زاوية بعيدة من الداخل، تبحث عن لحظة ولادتها.
لا يفصلني عن الكتابة أحيانًا سوى نبضة واحدة، أو إحساس عابر، أو فكرة صغيرة تمر كوميض سريع فأحاول الإمساك بها قبل أن تختفي. فالكتابة بالنسبة لي لم تكن يومًا مجرد جمع كلمات وترتيب جمل، بل هي رحلة شاقة وجميلة في الوقت نفسه، رحلة داخل الذات، أبحث فيها عن ذلك الصوت الصادق الذي لا يظهر إلا عندما نصمت قليلًا ونستمع لما بداخلنا.
هناك لحظة أسميها “التجلي”.
تلك اللحظة التي أشعر فيها أن الكلمات لا تأتي مني فقط، بل تأتي إليّ. كأنها كانت تنتظر خلف باب مغلق حتى أفتحه. في بعض الليالي، يحدث ذلك الانفجار الجميل في داخلي؛ تتزاحم الأفكار، تتدفق الصور، تتداخل الذكريات والمشاعر، فأجدني أمام بحر واسع من المعاني، أحاول أن أغرف منه بما أستطيع.
في تلك اللحظات يصبح القلم أخف من المعتاد، وتصبح السطور كأنها تعرف طريقها وحدها. لا أشعر أنني أكتب بقدر ما أشعر أنني أترجم شيئًا يحدث في داخلي. أتحول إلى مجرد وسيط بين الفكرة والورق، بين الإحساس والكلمة.
لكن الكتابة لا تمنحنا دائمًا هذا السخاء.
هناك أيام أخرى أجلس فيها أمام الصفحة نفسها، فلا أجد سوى الصمت. يصبح القلم أثقل، وتصبح الكلمة الواحدة معركة طويلة. أحاول انتزاع جملة من هذا الفراغ، أبحث عن معنى يليق بما أشعر به، فأجد نفسي أمام صخرة صلبة أحاول نحتها بصبر.
وهذا الجزء من الكتابة مؤلم، لكنه ضروري. لأن بعض النصوص لا تولد من سهولة التدفق، بل من تعب المحاولة. هناك كلمات لا تأتي إلا بعد انتظار طويل، وهناك أفكار لا تنضج إلا بعد صراع داخلي. وربما لهذا تحمل بعض النصوص شيئًا مختلفًا؛ تحمل أثر الطريق الذي قطعه الكاتب قبل أن تصل إلى القارئ.
ولهذا توقفت أحيانًا عن النشر المتكرر في صفحتي. قد تمر أيام أو أسبوع كامل دون أن أضع شيئًا جديدًا، ليس لأنني ابتعدت عن الكتابة، بل لأنني أبحث عن شيء يستحق أن يُقال. فأنا لا أريد أن تكون الصفحة مجرد حضور يومي، بل أريد أن تكون مساحة تترك أثرًا.
في زمن أصبحت فيه السرعة هي القاعدة، أصبح النشر اليومي أمرًا سهلًا. كلمات كثيرة، صور كثيرة، عبارات عابرة، أحاديث تتكرر ألف يوم ويوم، كلها تمر أمام أعيننا بسرعة ثم تختفي كأنها لم تكن. ليست المشكلة في كثرة النشر بحد ذاتها، فلكل إنسان طريقته في التعبير، لكنني أؤمن أن الكلمة تحتاج أحيانًا إلى أن تُمنح وقتها، وأن بعض الأشياء الجميلة لا تولد من العجلة.
أنا لا أبحث عن أن أملأ مساحة، بل عن أن أترك أثرًا. لا أريد أن تكون كلماتي مجرد صوت وسط ضجيج الأصوات، بل أريدها أن تحمل شيئًا من الإنسان الذي كتبها؛ شيئًا من قلقه، وأسئلته، وتأملاته، وحتى صمته.
فالكتابة ليست سباقًا في عدد المنشورات، بل هي رحلة في عمق المعنى.
لحظات التجلي لا تأتي بموعد محدد. قد تزورنا في منتصف الليل، أو أثناء لحظة هدوء مع فنجان قهوة برد قبل أن ننتبه إليه، أو في عزلة قصيرة نختارها بعيدًا عن ضجيج العالم. إنها تلك اللحظة التي يختفي فيها كل شيء، ويبقى سؤال واحد يرافقني أمام كل صفحة جديدة:
هل سأغرف اليوم من بحر واسع من الإلهام؟
أم سأعود إلى النحت في صخرة صامتة؟
وفي الحالتين، يبقى هذا العناء الجميل هو ما يجعلني أواصل. لأن الكتابة ليست فقط ما نضعه على الورق، بل ما نكتشفه عن أنفسنا ونحن نحاول أن نضعه.
وربما أجمل ما في هذه الرحلة أنها تجعلني، رغم التعب والانتظار، أشعر بأنني ما زلت حيًا.