متاهة السؤال : حين لا يكون الضياع نقيضًا للطريق
متاهة السؤال : حين لا يكون الضياع نقيضًا للطريق
بقلم الدكتور محمد ميموني
دع همومك جانبًا قليلًا، يا أخي.
أعرف أن الأمر ليس سهلًا. أعرف أن الإنسان لا يستطيع أن يخلع همومه كما يخلع معطفه عند باب البيت. هناك أشياء تدخل معنا إلى النوم، وتجلس معنا إلى المائدة، وترافقنا حتى في اللحظات التي نظن أننا نضحك فيها من القلب.
هموم العائلة، والعمل، المال، المستقبل، ما قلناه وما لم نقله، ما خسرناه وما نخشى خسارته.
لكن تعال.
ليس لأنني أملك طريقًا لا تعرفه، ولا لأنني سأقودك إلى مكان وجدته قبلك. بالعكس، ربما كنت أنا أيضًا أبحث عن الطريق.
خذ معك شيئًا من الصبر واتبعني.
ستسألني، بطبيعة الحال: إلى أين؟
وهنا تبدأ المشكلة.
لا أعرف.
أو ربما أعرف، ولكن ليس بالطريقة التي نعرف بها أسماء المدن أو اتجاهات الطرق. أعرف فقط أننا ذاهبان إلى منطقة لا تنفع فيها الخرائط كثيرًا. إلى مكان يصبح فيه السؤال أهم من الوصول، ويصبح الشك أحيانًا أكثر صدقًا من يقين لا نعرف من أين جاءنا.
إلى متاهة السؤال.
هناك، لا توجد لافتة تقول لك: الحقيقة من هنا.
ولا أحد يقف عند المنعطف ليؤكد لك أنك تسير في الاتجاه الصحيح.
كل طريق يمكن أن يكون بداية، وكل بداية قد تقود إلى طريق آخر. وكل جواب تظن أنك أمسكت به جيدًا، يبدأ بعد قليل في طرح أسئلة جديدة عليك.
وهكذا تجد نفسك تمشي.
ليس لأنك تعرف أين ستصل، بل لأن التوقف نفسه يصبح سؤالًا.
ربما كانت هذه إحدى مشكلات الإنسان الواعي: أنه لا يستطيع أن يطمئن طويلًا.
بمجرد أن يظن أنه فهم شيئًا، يأتي سؤال صغير ويضع كل ما فهمه أمام احتمال آخر. وما كان يبدو ثابتًا بالأمس يصبح اليوم قابلًا للمراجعة. وما كنت تدافع عنه بثقة، قد تنظر إليه بعد سنوات وكأن شخصًا آخر كان يقف مكانك.
ولهذا لا أخاف من التيه كما كنت أفعل من قبل.
لقد بدأت أعتقد أن الإنسان لا يعرف نفسه دائمًا في الطرق المستقيمة.
الطريق المستقيم مريح، نعم. يمنحنا إحساسًا بأن الأمور تحت السيطرة. نعرف أين بدأنا، ونعرف أين نريد أن نصل، ونقيس المسافة بين النقطتين.
لكن الحياة لا تحترم دائمًا هندستنا.
نخطط لسنوات، ثم تأتي لحظة واحدة فتغير شكل الطريق كله.
نعتقد أننا نعرف أنفسنا، ثم يحدث شيء صغير، أو فقد، أو لقاء، أو خيبة، فنكتشف أننا كنا نعيش مع شخص لا نعرفه تمامًا: أنفسنا.
لهذا أقول إن من لم يذق شيئًا من التيه، ربما لم يعرف معنى العثور.
فالإنسان لا يعثر على ذاته كما يعثر على مفتاح ضاع منه تحت الأريكة. الذات ليست شيئًا ثابتًا ينتظرنا في مكان محدد. نحن نكتشف أجزاء منها ونحن نعيش، ثم نفقد بعض ما اكتشفناه، ثم نعود فنراه بصورة مختلفة.
كم مرة قلت لنفسك: أنا أعرف من أنا؟
وكم مرة أجبرتك الحياة على إعادة النظر في هذه الجملة؟
المعنى نفسه لا يأتي دفعة واحدة.
لا يهبط على الإنسان في ليلة هادئة، ويقول له: هذه هي الحقيقة، احفظها جيدًا.
المعنى يتكون ببطء.
في لحظة صمت.
في سؤال أزعجك أيامًا.
في خسارة لم تفهمها إلا بعد سنوات.
في خطأ كنت تخجل منه ثم أدركت أنه علّمك شيئًا لم تكن لتتعلمه بدونه.
ولهذا فإنني لا أبحث عن معنى جاهز.
المعاني الجاهزة مريحة، لكنها لا تعيش طويلًا.
أما المعنى الذي تصل إليه بعد تعب، فقد لا يكون كاملًا، لكنه على الأقل يحمل أثر الطريق الذي قطعته إليه.
وفي متاهة السؤال تبدأ الأشياء التي كنا نراها بسيطة في فقدان بساطتها.
العائلة، مثلًا.
ما هي العائلة؟
هل هي الدم وحده؟
أم الذكريات؟
أم الأشخاص الذين نحبهم حتى عندما لا نفهمهم؟
العائلة يمكن أن تكون مأوى، ويمكن أن تكون عبئًا. يمكن أن تمنح الإنسان قوة لا يجدها في مكان آخر، ويمكن، أحيانًا، أن تضع حوله توقعات لا يعرف كيف يخرج منها.
ولا أقول هذا إنكارًا لقيمتها، بل لأن الأشياء الإنسانية لا تكون دائمًا وجهًا واحدًا.
حتى الحب يمكن أن يصبح قيدًا إذا تحول إلى امتلاك.
وحتى الحماية يمكن أن تصبح سجنًا إذا لم تترك للإنسان حق أن يختار.
وهذا ما يربكني في كثير من الأشياء التي نقدسها: أننا نريدها نقية، بينما الحياة لا تمنحنا الأشياء بهذه البساطة.
نحن نحب ونخاف في الوقت نفسه.
نقترب ثم نحتاج إلى مسافة.
نتمسك بما يؤلمنا أحيانًا لأننا لا نعرف من نكون بدونه.
أما المال والعمل، فقصتهما لا تقل تعقيدًا.
نحن نركض وراءهما كي نعيش براحة أكبر، ثم نكتشف أننا صرفنا معظم وقتنا في الركض.
نريد أن نملك أشياء كثيرة، ثم نجد أنفسنا نخاف عليها أكثر مما نستمتع بها.
هناك قيود لا تصنع من الحديد.
بعض القيود جميلة، لامعة، ومقبولة اجتماعيًا إلى درجة أننا لا نفكر أصلًا في تسميتها قيودًا.
ربما يكون القفص من ذهب، لكن الطائر يبقى طائرًا خلف القضبان.
وهنا يظهر سؤال الحرية.
نحن نردد كلمة الحرية كثيرًا، لكنني لا أعرف إن كنا نريدها فعلًا.
الحرية مخيفة.
لأنها تعني أنك ستتحمل مسؤولية اختياراتك.
ومن الأسهل أحيانًا أن نعيش وفق ما يريده الآخرون، ثم نلومهم على حياتنا، من أن نقول لأنفسنا: أنا اخترت.
لكن كيف يختار الإنسان وهو لا يعيش وحده؟
كيف يكون حرًا وهو يحمل داخله أصوات عائلته، ومجتمعه، وأصدقائه، وصورته التي يريد أن يحافظ عليها أمام الآخرين؟
كم مرة فعلنا شيئًا لا لأننا نريده، بل لأننا خفنا من السؤال الذي سيأتي بعده؟
ماذا سيقول الناس؟
هذه الجملة وحدها بنت داخل كثير من البشر سجونًا واسعة.
ولهذا أقول إن الإنسان لا يكون حرًا تمامًا ما دام يعيش أسير صورته في أعين الآخرين.
نحن لا نرى أنفسنا فقط في المرآة.
نراها أيضًا في عيون الناس.
وأحيانًا نقضي أعمارنا نحاول حماية صورة لم نخترها أصلًا.
أما الحقيقة، فتلك قصة أخرى.
أشفق أحيانًا على الذين يبحثون عن الحقيقة كما يبحث التاجر عن سلعة محددة. يريدون عنوانًا واضحًا، وطريقًا قصيرًا، وضمانة بأن ما سيحصلون عليه هو الشيء الصحيح.
لكن الحقيقة لا تعمل بهذه الطريقة.
كلما اقترب الإنسان من شيء يظنه حقيقة نهائية، وجد أن هناك جانبًا آخر لم ينظر إليه.
ربما ليست المشكلة في أننا لا نصل إلى الحقيقة، بل في أننا نريدها دائمًا أن تكون سهلة.
نريد جوابًا يريحنا.
لكن بعض الإجابات لا تفعل ذلك.
بعض الإجابات تجعلنا أكثر حيرة من السؤال نفسه.
والكتابة، بالنسبة إليّ، لا تقدم خلاصًا مضمونًا من هذه الحيرة.
أنا لا أكتب لأنني وجدت الحل.
أكتب لأن هناك أشياء لا أعرف كيف أحتفظ بها داخلي.
أكتب أحيانًا كي أرى الفكرة أمامي بدل أن تظل تدور في رأسي.
وأحيانًا أكتب ثم أعود إلى ما كتبته فأشعر أن النص نفسه يسألني: هل هذا ما كنت تقصده حقًا؟
وهنا أبدأ من جديد.
الكتابة ليست نهاية السؤال.
ربما هي إحدى طرق إطالة عمره.
نضع الفكرة على الورق، نظن أننا أمسكنا بها، ثم نكتشف أنها تغيرت بمجرد أن أصبحت كلمات.
لذلك لا أرى الكتابة خلاصًا.
هي مواجهة.
وقد تكون أحيانًا مواجهة مؤجلة.
مواجهة بين الإنسان وما يعرفه، وما يجهله، وما يخشى أن يعرفه.
ولهذا فإن هذا النص لا يقدم جوابًا.
ولا أريد له أن يفعل.
لقد مللت، مثل كثيرين، من النصوص التي تبدأ وهي تعرف كل شيء، ثم تنتهي وهي أكثر يقينًا بنفسها مما بدأت.
الحياة لم تعلمني هذا النوع من الثقة.
كلما عشت أكثر، وجدت أسبابًا جديدة للشك.
وكلما اعتقدت أنني فهمت الإنسان، رأيت منه ما يعيدني إلى البداية.
ربما ليست الحيرة عيبًا في الفكر.
ربما تكون إحدى علاماته.
فالعقل الذي لا يعرف الشك قد يكون عقلًا أغلق أبوابه مبكرًا.
ولا أقصد بذلك أن نعيش في ضياع دائم أو أن نحول الحيرة إلى بطولة. فالإنسان يحتاج أيضًا إلى شيء من اليقين كي يعيش، وإلى أرض يقف عليها ولو كانت صغيرة.
لكن المشكلة تبدأ حين نعتقد أن الأرض التي نقف عليها هي العالم كله.
لهذا، لا تسألني إلى أين نمضي.
أنا لا أعرف.
وربما لا يعرف أحد تمامًا.
ولا تسألني من نحن.
فنحن نغير الإجابة مع كل تجربة حقيقية تمر بنا.
قد نظن أننا نعرف أنفسنا اليوم، ثم يأتي الغد ليكشف لنا وجهًا لم نره.
يكفي، في بعض اللحظات، أن نقف في قلب المتاهة دون ادعاء أننا نملك خريطتها.
أن نعترف بأننا تائهون في بعض الأسئلة.
وأن هذا الاعتراف ليس هزيمة.
بل ربما يكون بداية أكثر صدقًا من كل الإجابات التي نحفظها.
في النهاية، قد لا يكون السؤال مجرد باب نعبره لنصل إلى الحقيقة.
ربما يكون السؤال بيتًا آخر للإنسان.
بيتًا واسعًا، مربكًا، بلا جدران واضحة.
ندخله في لحظة ما، ونقضي العمر نحاول أن نفهم لماذا دخلناه.
ومع ذلك نمضي.
نسأل.
نتراجع.
نعود.
ونغير رأينا.
ثم نسأل من جديد.
ولعل هذا هو أجمل ما في الإنسان: أنه، رغم كل ما عرفه، ما زال قادرًا على الوقوف أمام العالم وقول كلمتين بسيطتين، لكنهما ربما أكثر صدقًا من كثير من اليقين:
لا أعرف… فلنواصل السؤال.