مذبحة الغلاء : حكومة ترفع الأسعار… والمواطن يدفع الثمن
مذبحة الغلاء
حكومة ترفع الأسعار… والمواطن يدفع الثمن
بقلم: أشرف الجبالي

لم يعد الغلاء في مصر مجرد أزمة اقتصادية، بل تحول إلى أسلوب حياة فرض نفسه على ملايين المواطنين. فما إن يلتقط المواطن أنفاسه من زيادة، حتى يفاجأ بأخرى، وكأن رفع الأسعار أصبح الحل الأسهل والأسرع لكل أزمة مالية تواجهها الحكومة.
المواطن البسيط اليوم يخوض معركة غير متكافئة مع فواتير الكهرباء والمياه والغاز، ومع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات، بينما يقف دخله ثابتًا، عاجزًا عن اللحاق بموجات الغلاء المتلاحقة. وبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح الاقتصادي وجني ثمار التنمية، يتساءل المواطن: أين هذه الثمار، ولماذا لا تصل إلا إلى البيانات الرسمية، بينما لا تصل إلى موائد الناس؟
المواطن هيلاقيها من مين؟
من وزير البترول الذي ترتفع معه أسعار المحروقات، فتشتعل معها أسعار كل شيء؟
أم من وزير الكهرباء الذي يعلن زيادات جديدة، لتتحول فاتورة الكهرباء إلى عبء ثقيل على ملايين الأسر؟
أم من وزير التموين، بعد استبعاد ملايين المواطنين من بطاقات الدعم، في وقت أصبحت فيه الأسعار تفوق قدرة محدودي الدخل؟
أم من وزير النقل الذي ترتفع في عهده أسعار تذاكر القطارات والمترو، لتزداد تكلفة الانتقال على العامل والطالب والموظف؟
أم من وزير التعليم، بعد موسم شهد جدلًا واسعًا حول نتائج الثانوية العامة، وأثار حالة من القلق والغضب بين الأسر المصرية؟
أم من وزير الصحة، في ظل مستشفيات حكومية تعاني نقصًا في الإمكانات والخدمات، حتى أصبحت لا تسر عدوًا ولا حبيبًا؟
أم من رئيس مجلس الوزراء، الذي يخرج بتصريحات تؤكد أن الدولة تسير في الطريق الصحيح، بينما يشعر المواطن بأنه يسير في طريق تزداد فيه الأعباء كل يوم؟
إن أخطر ما في المشهد ليس ارتفاع الأسعار وحده، وإنما غياب الأمل لدى المواطن في أن تتوقف هذه الموجة. فكل زيادة في الوقود تعني زيادة في النقل، وكل زيادة في النقل تعني ارتفاعًا في أسعار السلع، وكل زيادة في الكهرباء تعني أعباء جديدة على الأسرة، لتدور عجلة الغلاء بلا نهاية، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة.
ولا أحد ينكر أن مصر تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، لكن مواجهة الأزمات لا تكون دائمًا بتحميل المواطن وحده تكلفة الإصلاح. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بترشيد الإنفاق، وتعظيم الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، ومحاربة الاحتكار، وتوزيع الأعباء بعدالة، بحيث يتحمل القادر نصيبًا أكبر، ويحظى محدود الدخل بالحماية التي يستحقها.
إن سياسات رفع الأسعار المتتالية لا يمكن أن تكون علاجًا دائمًا، لأنها قد تحقق أرقامًا في الموازنة، لكنها تترك آثارًا اجتماعية قاسية على ملايين الأسر. فالأمم لا تُبنى بزيادة الضغوط على الفقراء، وإنما تُبنى بالعدالة والإنصاف، وبسياسات اقتصادية تجعل المواطن شريكًا في التنمية، لا ضحية لها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة صادقة:
إذا كانت التنمية لا يشعر بها المواطن في دخله، ولا في مستوى معيشته، ولا في الخدمات التي يحصل عليها، فكيف يقتنع بأنه يجني ثمارها؟
إن قوة الدول لا تُقاس بحجم المشروعات وحدها، وإنما بقدرة مواطنيها على العيش بكرامة، وبقدرة الأسرة البسيطة على أن تواجه متطلبات الحياة دون خوف من فاتورة جديدة أو زيادة جديدة أو قرار جديد.
فالاقتصاد الذي يرهق المواطن… يحتاج إلى مراجعة، قبل أن يحتاج إلى أرقام جديدة.