شجرة العائلة بين الأمس واليوم – أسرة و مجتمع

على ضفة الأيام الخوالي جلست أرقب المكان وما حواليّ، وأسترق من نسيمها عبق العائلة وهي مجتمعة، تحفّها الابتسامة، وتحوطها تلك الجلسة الجامعة بين الكل دون استثناء، بين جالس وقاعد ومتكئ؛ من تلك البيوت المتسعة حبًّا وكرمًا ومعزّة بين الأهل، دونما تكلّف ولا تنطّع ولا حشرجة نفس ترنو هواجس وتخوّفًا. بل كان حبل الود متينًا منسبكًا من خيوط دم القربى، ثَمَّ لا دعاوى ولا ترتيبات خاصة، ولا وجود للمناصب والمراتب ولا القيمة الاجتماعية، ولم تطغَ ذات الأفضلية ولا المقارنات التافهة المبنية على لغة التقعير والشك والحسد والغيرة، وكثيرًا ما يكون عنادًا زائدًا جعل من المكانة تزلفًا وتنميقًا لأجل أن يُقال…
وأنا كذلك أخذني بعض الشرود، فطارت بي اللحظة إلى جلسة الوقار في حضرة الكبار؛ هناك تعانقت أغصان شجرة العائلة، وكان منها ظلٌّ ظليل، وثمرٌ شهيٌّ طيّب، وتحتها تفيّأ الأبناء، وتقلّبوا في أعطافها فنالوا من ألطافها، حينها لا حدّ للبذل والمنح، ولا اقتسام للأدوار، ولا استهام للأنصبة، بقدر ما كانت لمّة عائلية تتواشج فيها عرى الألفة، وتتمازح القرابة في حوش الدار، وتعلو زغاريد الفرح، منبئةً بعلوّ الكعب ومكانة العائلة.
ثَمَّ لا تُنكث المواثيق والعهود، بل امتازت شموخًا وكبرياءً، بلغة آسرة شفيفة عن أن: «أخاك أخاك، فإنّه الغوث إن عضّك الزمان بناب». وفي بلهنية القعدة استفقت على أحد الأقرباء يربّت على كتفي، مخاطبًا إيّاي بنظرة ثاقبة ترجمتها الأسارير، لكأنها تقول: ما أبعد اليوم بالأمس! وهل طُويت تلك الصفحة من كراس الذاكرة؟ أم خبت جذوة العائلة حين فقدت وبيلة الكبار، أم أن لحاء شجرة العائلة تعرّى وتآكل، فلم يبقَ في العود اخضرار ولا نضارة؟
لقد كانت الأحلام ضارعة حين قدح الآباء زناد أدمغتهم، وابتكروا مخرجًا للنوائب والأزمات الخانقة، ونسجوا من خيوط الوفاء برنسًا محميًّا لا تطاله الألسنة، ولا تعتريه خطوب الأعداء، ولا وشاية من يتربصون بنا الدوائر؛ فلا صوت يعلو فوق صوت بني العمومة والخؤولة، ثَمَّ تختنق كل كلمة جارحة، وتتطأطأ الرؤوس وجلًا، حين تزأر أسود الغاب، وتكمن خفافيش الظلام، وتخرس ضفادع البرك والمستنقعات، وتنسرح اللبؤات منبسطة في عرينها، متهللةً بجثوم الأسود أمامها.
لم نكن ذات يوم نقف في طابور الانتظار، ولا نجلس في مؤخرة الركب، بل كنا على الأهواء متجلّدين، شيمتنا السماحة والوقار…
فهل ينفرط عقد ذلك الكرم الذي سكبه الأوّلون في عروقنا زُلالًا صافيًا؟ وهل نتوارى خلف جدران الصمت والمشاحنات الضيقة، ونحن حملة ذلك الإرث العظيم؟
كلا، والذي سمك السماء وبسط الأرض؛ لن نترك لحاء الشجرة ينخره الوجوم، ولا جذورها تجفّ تحت وطأة الزمان. إنّ روح الكبار لم تُطوَ بطيّ أجسادهم، بل بقيت شهابًا يُقتبس منه الأبناء أسباب المروءة، ووهجًا يضيء عتمة الخلافات الطارئة.
فلتعد لتلك المجالس هيبتها، ولتذب الفوارق الزائفة على عتبات القربى، ولنرمِ خلف ظهورنا حظوظ الأنفس ولغو المقارنات؛ فالعزّ كلّ العزّ في التئام الشمل، والمنعة كلّ المنعة في أن نكون كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضًا، يقيل العثرة، ويغفر الزلّة، ويحفظ العهد القديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى