الرباط المقدس

قلت في مقالات سابقة إن الحياةَ الزوجيةيجب أن تتصف بثلاث صفات، ذكرها الله تعالى في كتابه؛ المودة والسكينة والرحمة؛ أما المودة فهي الحب الذي ينشأ بين الزوجين في ربيع حياتهما الزوجية، ثم تمر الأيام لتظهر صفة السكينة والأمان في بيت الزوجية، حتى إذا سألت أحدَهما عن شعوره بالآخر سيجيب بأن العلاقة بينهما تعدت مرحلة الحب إلى مرحلة السكن بالآخر فلا يشعر بالأمن إلا بوجوده، ولا يأنس براحة إلا بالأنس به.
ثم تأتي مرحلة خريف الحياة الزوجية التي تظهر بوهنهما واعتلالهما فيطبِّبُ السليمُ منهما السقيمَ، ويصبر عليه فلا يمل منه، حتى لو اختفى الأولاد من حولهما أو شغلتهما الحياة الدنيا.

كل ذلك كان في الزوجين محل حكايتي لكم اليوم؛ إذ تزوجا وترعرع الحب بينهما حتى صار كشجرة وارفة محملة بالورود والرياحين، بل صارا في محل عملهما معًا مضرب المثل في التفاهم والألفة والترابط الروحي.

انتظرا فترة طويلة قدومَ طفلٍ يزين البيتَ ويبهجه ويملأ المكان بحركته ويشغل مكوناته بضحكاته. ولطالما حلُما كثيرًا بوجوده حتى طال انتظار الحلم، ولن تجد في الحياة أشقى من المنتظر! فما أطول الوقت في انتظار الحلم !

إن الدنيا عوَّدتنا بأنها تضن على المنتظر حتى ييأسَ، وقضت أنها لا تعطي المحتاج، وهي السخيةُ على من يملكها وينزلها قدرَها!

انتظرا عِقدًا من الزمن فلم تظهر أيُّ بشريات بقدوم ولي العهد، فظهرت صفة الرحمة مبكرًا على رفيقة الدرب؛ عرضت على زوجها الزواج فليس له ذنب بحرمانه من الخلف الصالح ، لكنه اعتذر تحت وطأة المودة والرحمة معًا ، فكيف له_ وهو المحب _ أن يكون سببًا في جرح حبيبته؟

أبى الوجلُ كثيرًا حتى تدخل الوسطاء من ذوي رحمهما،
انبرى من يقنعه بالفكرة، وأن الزواج من أجل الإنجاب ليس عيبًا، أقنعه أن زوجته وحبيبته ستظل معه، لا تفارقه، لأنها صاحبة الفكرة، فكيف له أن يرفض تحقيق حلمهما معًا ؟

رضخ أخيرًا لطلبها بعد إلحاح منها؛ فسطوة حبها تطغى على رغبتها بالتفرد به، رفضت فكرة الاستئثار وفضلت عليها فضيلة الإيثار، فأطاع رغبتها مجبرًا، ورضخ لكل من تدخلوا لإقناعه من أجلها.

تطوعت الزوجة الصالحة المحبة باختيار ضَرَّتها وخطبتها له. وآلت على نفسها، فاستجمعت كل قواها الاصطناعية لتكمل تلك الزيجة رغم قسوتها، فاستكملتها حتى أغلقت الباب على حزن مقيم، ويبدو أنه سيستمر مادام هناك باب أوصد على حبيبها مع امرأة أخرى، فيالقسوة الأيام، وما أعظم تجبرها!

مرت أيامٌ فلم تحتمل شريكةً لها في حبيبها، كان يومًا لها ملء الحياة ، عشقته وعشقها، ورَبَّته على عينها ، ولما لم تحتمل قسوة الموقف طلبت الطلاقَ للضرر النفسي الذي أتعب قلبها وأضعف عزيمتها وأصرّت عليه.

استجاب الزوجُ مُرْغمًا تحت وطأة إصرارها؛ أخبرته بأنها تحبه ولكن لا تستطيع رؤية شريكة لها فيه، ولأنها تحبه فقد ارتضت أن تبتعد حتى تتهيأ له حياةٌ جديدةٌ تنعم بدفء الأطفال الذين يملؤون عليه حياته. وجاءت اللحظة التي تؤذن بالفرقة الأبدية حينما جمع كل شيء في بيته وحمّله إليها تاركًا البيت على البلاط.

ذهب المشيعون خلف سيارة المنقولات إليها فسمعوا منها العجب العجاب ؛ أبت أن تستلم شيئًا من قائمة منقولاتها فهي لا ترضى أن تترك البيت الذي فرشته بالحب خاويًا على عروشه، فرجع الناس بالمنقولات إلى الزوج فلم يقبل .

ظل الناس في حيرة بين ذهاب وعودة بينهما فبكى الرحماء على نهاية تلك العلاقة التي ما زالت تنضح بالحب وعلمتهم أن الزواج بالفعل هو الرباط المقدس شريطة ثلاثة الصفات؛ المودة والسكينة والرحمة.

بعد محاولات ارتضوا منها حلًّا أن تأخذ المنقولات خلا غرفة النوم حتى لا ينام الحبيب الأعزُّ على البلاط!

أنجبت زوجته بنتين، لم ينتزع حبُّها من قلبه أبدًا، أما هي فظلت على عهدها به لا تقبل بأي رجل يملأ مكانه رغم كثرة الخُطّاب لودها.

ذات يوم رأى صاحبي حزنها وهي التي كانت يومًا ما تملأ الدنيا فرحًا ومرحًا فأشار عليها بالرجوع؛ فنصف رجلٍ تعيش في كنفه حبًّا أفضل من مكابدة البعد والحرمان والشقاء بالحب الذي ليس منه فائدة.

تدخل العقلاء بينهما حتى رجعا معًا أسرة سعيدة هنيةً. وحدث مالم يكن في الحسبان ويأباه الطب ولكن اقتضته رحمةُ الله وعدلُه؛ حملت الزوجة الطيبة وكان حملها خارج الرحم وتحملت حتى أنجبت الولد برحمة الله وكرمه، وكان جزاء الصبر عظيمًا.

يقول لي صاحبي أنها هي التي تربي البنتين مع الولد وتعتني بالكل بكل رحمة وإقناع.

هذه القصة رسالة لكل زوج وزوجة ليطبقوا في حياتهما ثلاثة الصفات حتى ينعموا بالسعادة الزوجية التي يقتضيها الرباط المقدس.
قال تعالى:”وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى