حول ثقافة اليوم : حوار مع الأستاذ الدكتور السعيد الورقي

حول ثقافة اليوم
حوار مع الأستاذ الدكتور السعيد الورقي
أجرت الحوار الدكتورة آمنة مصطفى الهجرسي

يستضيف هذا الحوار الأستاذ الدكتور / السعيد الورقي .. أستاذ الأدب والنقد بآداب الإسكندرية في محاولة لفهم التغيرات التي طرأت على الساحة الأدبية وموقع المبدعين والجماهير من بعضهم البعض ومستقبل النص الأدبي المكتوب ..
– بداية : هل يمكن أن نعرف الثقافة؟
الثقافة بصفة عامة الآن أو فيما مضى هي كل ما يحيط بنا من مفردات وفنون وكل شيء ؛ فالملابس التي نرتديها ثقافة والطعام الذي نتناوله ثقافة ، الكتاب الذي نقرؤه ثقافة ، كل هذا ثقافة والفنون البصرية ثقافة وكل عصر له ثقافته التي هي نابعة من الإطار الخاص به .
– مع هيمنة التكنولوجيا وانتشار الاستخدام السيء في نواحي كثيرة للـ (سوشيال ميديا ) بتطبيقاتها المتنوعة كيف أثر ذلك على الثقافة الجماهيرية ؟
التكنولوجيا استخدامها اليوم قد يكون سيئا وقد يكون جيدا وقد أثر ذلك على الثقافة بأن أضاف لها مفردات جديدة ونوافذ جديدة فهناك أناس يرون أن الثقافة منحصرة في العلم والمعرفة فقط ! كلا الثقافة هي كل شيء ، كل ما يحيط بنا ونتنفسه ونتعامل معه وبه هو ثقافة ، أما عن الثقافة الأدبية إن شئت التخصيص فنحن سنتناول هنا حظ الأدب من الثقافة أو الأدب في ثقافة العصر فهذا للأسف الشديد حظه قليل جدا . لماذا ؟ لأن المبدعين في هذا العصر لم يعودوا يجدون من يتذوق ما يقدمونه ؛ فالإبداع عبارة عن فن ومبدع ومتلقي فإذا لم يكن هناك متلقٍّ يُصاب المبدع بخيبة أمل فالأدب لا سوق له اليوم .
– شهدت العقود الأخيرة تزايدا كبيرا في عملية إنتاج الروايات والقصص وتزامن مع ذلك زيادة كبيرة جدا في وجود دور نشر لا تهتم بجودة الأعمال الأدبية المقدمة بقدر ما تهتم بالعائد المادي .. ما هو رأيكم فيما سبق ؟
عليك أن تنتبهي إلى أن الأدب القصصي جزء كبير منه يتجه إلى التسلية والمتعة ، والمتعة والتسلية هدف وعليه ستجدين حكايات سهلة وبسيطة وينجذب إليها القارىء لأنها تقد م له التسلية وهذا يشجع دور النشر على تبيني نشرها لما لها من قدرة على الانتشار وتحقيق العائد المادي أكثر من القصص التي تميل للفنية أكثر لأن الإغراق في الفن له متخصصون وليس للعامة وهؤلاء المتخصصون لا يشترون القصص بقدر ما يقرؤون ما يُهدى إليهم .
– ماذا عن القصص التي تتبنى الاتجاه الرومانسي المغرق ذلك الذي يستهدف شريحة المراهقين أكثر؟
الرومانسية مطلوبة في كل عصروفي كل وقت لأنها تتجاوب مع فترة وجدانية من عمر الإنسان وهي الفترة الرومانسية للمراهقين فجميعنا مررنا بهذه الفترة سواء للفتيات أو الصبيان.
– طيب هل يضيف لهم أم يؤثر عليهم بالسلب فهناك من قد يعترض على مثل هذا اللون من الكتابات ويرى أنه سيخرّج لنا جيل غير مسؤول ، جيل حالم ومغرِق في الرومانسية ، لا يقف على أرض ثابتة ؟
وهل الحلم سيء بالعكس كل الناس يعيشون بالأحلام ، وإذا لم تكن هناك أحلام لن نستطيع أن نحقق شيئا ، فأنت تحيا بالحلم ولابد أن يكون لك حلم تسعى إلى تحقيقه وإذا لم يكن هناك هذا الحلم فما قيمة حياتك ؟ لماذا تعيش ؟
– بعض أنواع الكتابات الروائية يميل فيها أصحابها – مع الأسف الشديد – إلى كتابة تفصيلات كثيرة خارجة والتلميح فيها كان سيكفي فما هو رأيكم في مثل هذا التوجه في السرد ؟
عليك أن تنتبهي إلى أن هذه موجة جديدة في الكتابة بمعنى الكتابة خارج المألوف فلا محظورات في الكتابة فهناك الكثير من الكتاب يسردون بهذه الطريقة ومن وقت بعيد في كل العصور حتى عند العرب ، ولك أن تقرأي في طوق الحمامة مثلا ستجدين فيه مثل ما تصفين أشياء خارجة عن التابو وغيرها فحتى الإمام السيوطي له كتاب فيه ، والعقد الفريد فيه أبواب تعاني من إباحية شديدة جدا والشعر الجاهلي أيضا فيه وكذلك الشعر العباسي ستجدين فيه إباحية شديدة في الوصف فهذا يعتمد على أن التلفظ بالأشياء نوع من أنواع الممارسة الكتابية .
– بالنسبة لانتشار دور النشر بشكل مبالغ فيه ؟
ما بها ؟ هذا مكسب
– لكن أمثالي من القراء وهم يتصفحون الكتب المعروضة بعيدا عن الإخراج الفني أجد أن المحتوى أقل مما يمكن أن يقال ولا يستحق تعب الحصول عليه أو ما تمّ الترويج له عبرالوسائل المتاحة!
لا يليق بالنسبة لك فهذا رأيك الشخصي وذوقك في القراءة، لكن هناك من يرى فيه ما يليق به ويستحق القراءة ، كل واحد يقرأ بحسب ما يبحث عنه أو ما لديه وهناك ذائقة المتخصص وهذه ذائقة شديدة الخصوصية لأنها تتعامل مع شكل معين من أشكال الفن ، وهناك ذائقة عامة تتعامل مع كل ماهو موجود ، أنظري إلى أغاني ( التوك توك) وأغاني المهرجانات مثلا لها محبوها ومتذوقوها .
– لماذا قد يجد المتخصصون من أمثالكم صعوبة في توجيه النقد البناء عبر وسائل التواصل ؟
لأنهم يمثلون قلة في مواجهة كثرة والكثرة تريد ما ينتقدهالقلة ويرفضونه ، وفي النهاية لن يستطيع الإنسان إلا أن يكون نفسه وسيكتب مايمثله ويريده ، وكل شخص سيفعل ذلك بصفة عامة وليس على مستوى عملية الإبداع الأدبي فقط.
– بالنسبة للحديث الشائك الدائم عن ( أزمة الشعر)
الأزمة متعلقة بعملية التلقي ، لا يوجد متلقين للشعر الحقيقي ولكن هناك متلقين لشعر العامية وهم كُثر ، وهناك شعراء عامية ممتازون ويعبرون تعبيرا حقيقيا ولديهم بلاغة غير عادية وجميلة جدا تفوق أحيانا بلاغة الفصحى ، أما الفصحى لم تعد كما كانت في سابق عهدها لا من يكتب ولا من يتلقى وأصبحت لغة غريبة .
– هل يمكن أن يعود الشعر كسابق عهده في الستينات أو السبعينات مثلا؟
كلا لا يمكن ، فقد كان قديما فن واليوم فن والفارق يكمن في اختلاف الناس والحياة والثقافة ، ففي الستينيات مثلاكان هناك جيل له تصور وثقافة محددة أما اليوم : لا ؛ فهذا زمن وهذا زمن ولكل زمن رجاله وتوجهاته ، ومسألة إعادة رجل الشارع صعبة لأن التوجيه لفعل القراءة في ظل ما يحدث صعب ، وهناك مثلا الكتاب الالكتروني أو البودكاست فقد يكون هذا محفزا للقارىء ليقبل عليه مع ملاحظة أن الكتاب المسموع له متطلبات خاصة به بينما الكتاب المقروء يذهب به صاحبه حيث يشاء ، ثم إن الفن والثقافة ليسا مجموعة افتراضات نعلمها للناس ، صحيح أن التذوق به جانب تعليمي جدا لكنه متروك هكذا بسبب اختلاف طبيعة الحياة وطبيعة الظروف ، ولاحظي أننا في زمن يتسم بسرعة الايقاع والزحمة ، كل شيء سريع ، يعني ما يسمى بثقافة ( البوفيهات) أي الإقبال على كل شيء بسرعة بسرعة وهذا هو الموجود حاليا مع الأسف ..
– ماذا عن الندوات والصالونات والمحافل الأدبية ؟
لم تعد كما كانت ، لم تعد أماكن جذب للناس رغم كثرتها وهذه الكثرة أفسدتها لأن الكثرة تفسد قيمة الأشياء فإذا أردت أن تدمرأي شيء أكثر منه ؛ فقديما كان الحاصل الليسانس أو الباكالوريا مثلا قلة فكانوا ظاهرين ومعروفينأما اليوم فالعكس صحيح ، وكذلك الجوائز كانت قديما قليلة ونادرة وكانت تمنح للنوابغ فقط بينما اليوم الكثير منها يمنح بالمجاملات والواسطة ففقدت قيمتها وحتى جوائز الدولة اليوم تدخلت فيها المجاملات فالكثير من الأدباء المجيدين لا ينالون الجوائز لأنهم غيرمجيدين في التسويق لأنفسهم ،فقد أصبح اليوم الفن مُنتج وبحاجة للتسويق .
