تغطية الجنازات بين حق المعرفة وواجب الكرامةبقلم- أشرف الجبالي
تغطية الجنازات بين حق المعرفة وواجب الكرامة
بقلم- أشرف الجبالي
في لحظات الوداع، تتراجع الكلمات إلى الخلف، ويعلو الصمت احترامًا لهيبة الموت. فالجنازة ليست حدثًا عابرًا، بل مساحة إنسانية خالصة تختلط فيها مشاعر الحزن بالرهبة، وتُستدعى خلالها القيم العميقة للمجتمع. ومع ذلك، تجد هذه اللحظات نفسها أحيانًا في قلب مشهد إعلامي مزدحم، تتقدم فيه الكاميرات على حساب المشاعر.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار الدور الأصيل للصحافة في نقل الأحداث، بما في ذلك جنازات الشخصيات العامة التي تشكل جزءًا من الوعي الجمعي. فالتوثيق هنا قد يكون مشروعًا، بل ومطلوبًا، إذا ما تم في إطار من المهنية والاحترام. غير أن الخط الفاصل بين التغطية المشروعة والانتهاك غير الأخلاقي يظل دقيقًا وسهل التجاوز.
المشكلة لا تكمن في التغطية بحد ذاتها، بل في كيفية ممارستها. فعندما تتحول الجنازة إلى ساحة لاقتناص اللقطات الحصرية، أو منصة لالتقاط ردود أفعال غارقة في الحزن، يفقد المشهد معناه الإنساني. إن توجيه الميكروفونات إلى وجوه ذوي المتوفى، أو التركيز على لحظات انهيارهم العاطفي، لا يضيف قيمة إخبارية حقيقية، بقدر ما يكشف عن خلل واضح في المعايير المهنية.
الإعلام المسؤول هو الذي يدرك أن التراجع أحيانًا يُعد موقفًا مهنيًا، لا تقصيرًا. فالوقوف على مسافة تحفظ هيبة اللحظة، والاكتفاء بنقل الصورة العامة دون التوغل في الخصوصيات، هو ما يميز الصحفي المهني عن الباحث عن الإثارة. فليس كل ما يمكن تصويره ينبغي نشره، وليس كل ما يلفت الانتباه يستحق أن يصبح خبرًا.
أما تغطية العزاءات، فتختلف بطبيعتها عن الجنازات. فالعزاء مساحة خاصة، تخضع لإرادة الأسرة وحدها. وتحويله إلى مادة إعلامية دون ضرورة حقيقية أو قيمة عامة يثير تساؤلات جوهرية حول أولويات بعض المؤسسات الصحفية. كما أن التوسع في تغطية تفاصيل هامشية لا تمت للحدث العام بصلة، قد يسيء إلى المهنة أكثر مما يخدمها، ويضع الصحفي في مواقف لا تليق بدوره ولا بكرامته.
وفي هذا السياق، يبرز دور رئيس التحرير بوصفه حارسًا للمعايير المهنية، لا مجرد مدير للتكليفات. فالمسؤولية لا تقتصر على نشر المحتوى، بل تبدأ من قرار إنتاجه. وتوجيه المحررين نحو تغطيات تفتقر إلى القيمة أو تقوم على الإثارة الرخيصة، لا يضر بصورة المؤسسة فحسب، بل ينعكس سلبًا على ثقة الجمهور بالإعلام ككل.
ومن المهم التأكيد على الزملاء رؤساء التحرير ضرورة عدم تكليف المحررين والمحررات بتغطية الجنازات بدافع السعي وراء “التريند” أو حصد التفاعلات. فكرامة المهنة تظل خطًا أحمر لا ينبغي تجاوزه، كما أن الحفاظ على هيبة الصحفي وصورته أمام المجتمع أولى من تحقيق مكاسب آنية. إن احترام الإنسان في لحظات ضعفه هو في جوهره احترام للمهنة ذاتها.
لقد أصبحت أخلاقيات الصحافة من أبرز القضايا التي أفرزتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال. فمع انتشار المواقع الشخصية والمدونات، وظهور من يمارسون العمل الصحفي دون تأهيل مهني، ونتيجة لحرية النشر عبر الانترنت ، برزت العديد من التجاوزات الأخلاقية في القطاع الإعلامي. وفي مقدمة هذه التجاوزات، انتهاك الخصوصية، وتراجع مصداقية الخبر، وغياب الضوابط المهنية الواضحة.
ومن هنا تبرز إشكاليتان أساسيتان: الأولى تتعلق بالقواعد الأخلاقية التي ينبغي أن تضبط الممارسات الإعلامية في ظل هذه التحولات المتسارعة، والثانية ترتبط بهوية الصحفي نفسه داخل هذه البيئة الرقمية المفتوحة، حيث تتداخل الأدوار وتتشابك الحدود بين المحترف والهواة.
في النهاية، تظل المهنة الصحفية قائمة على معادلة دقيقة بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الكرامة. غير أن هذه المعادلة، في لحظات الموت، تميل بطبيعتها لصالح الكرامة الإنسانية. فالموت ليس عرضًا إعلاميًا، ولا الحزن مادة للاستهلاك، بل اختبار حقيقي لإنسانية الجميع… وفي مقدمتهم الإعلام.
الكاتب الصحفي أشرف الجبالي