سر الغرفة …. قصة قصيرة للكاتب الإنجليزي إدوارد فريدريك بنسون – ترجمة بتصرف خالد العجماوي
سر الغرفة …. قصة قصيرة للكاتب الإنجليزي إدوارد فريدريك بنسون – ترجمة بتصرف خالد العجماوي

أنا كثير الأحلام؛ فلا تكاد تمر ليلة عليّ دون حلم تملؤه الحكايات؛ فالخيال لا ينشأ من فراغ؛ وإنما تأتينا الرؤى من خلال أناس عرفناهم، وأماكن ألفناها وعايشناها حتى انطبعت في دواخلنا وصارت جزءا منا.، وكنت قد تعودت أن تمر بعض الأحداث في واقعي تماما كما شاهدتها في أحلامي، ولست أجد في هذا غرابة، فقد صادفت أحلاما كثيرة وجدت لأحداثها وقوعا في عالم الحقيقة، تماما كما حدث في ذلك الحلم الذي راودني الأسبوع الماضي، إذ رأيتني أصعد الدرج كعادتي في المساء لأتجهز للعشاء، فأسمع ساعي البريد يدق على باب منزلي، فأهبط الدرج بعد الصعود، وأتلقى خطابا من صديق قديم كنت قد تعودت رسائله لي في عالم الواقع. لكن الغريب أن الخطاب لم يكن سوى ورقة آس الماس، مسطور عليها بخط يده: أبعث بها إليك لضمان سلامتها، حيث لا أمان لها في بلاد مثل إيطاليا!
وكنت قد اعتدت في عالم الحقيقة أن أتلقى من صديقي هذا رسالة كل أسبوعين تقريبا، فلم أعجب كثيرا حين مر عليّ ساعي البريد في اليوم التالي، ليبعث لي برسالة من صديقي هذا، تماما كما حدث في حلمي، غير أنها لم تحتو على آس الماس ولا ذلك السطر العجيب الذي قرأته في المنام.
لكن ثمة حلم عجيب آخر، غريب وكئيب، كان يراودني كذلك، فيقتحم خيالاتي كروح غامضة، فيؤرق طمأنينتي، ويهيج في نفسي هواجسها، هكذا دون سابق ألفة أو واقع معاش.كنت في السادسة عشرة حين راودني أول مرة، حيث وجدتني أقف قبال منزل كبير من الطوب الأحمر، يفتح لي خادمه بابه الكبير ، ويدعوني للدخول لأشارك ساكنيه حفلة الشاي بالحديقة. مررنا بردهة بسقف خفيض، مكسوة بالخشب، في وسطها مدفأة، وتطل على حديقة تحوطها الزهور. رأيتني أمام غرباء مجتمعين حول طاولة الشاي، لا أكاد أعرفهم إلا واحد منهم، هو زميل قديم منذ أيام المدرسة يدعى جاك ستون، والذي عرفني بأمه وأبيه، وأختيه كذلك. كنت مستغربا جلوسي في ذلك المكان، فأنا أعرف جاك بالكاد، فلم يكن صديقا مقربا ولا محبوبا، كما أنه كان قد ترك المدرسة منذ عام أو يزيد. كان الجو قائظا، وكانت نفسي مقبوضة.
على الجانب الآخر من الحديقة رأيت سورا من الطوب الأحمر أيضا، ببوابة حديدية كبيرة، خلفها شجرة جوز ضخمة. جلسنا في الحديقة نستظل بالمنزل الكبير، وقد صافح عيني صف طويل من النوافذ الكبيرة، حتى استطعت أن أرى من خلالها مائدة طويلة مفروشة بعناية، فوقها أكواب من زجاج وفضة. كانت الحديقة فسيحة، وقد علا في آخرها برج قديم من ثلاثة طوابق. تكلمت السيدة ستون أخيرا بعد صمت طويل، قائلة: خصصت لك غرفة في البرج، وسيريك جاك غرفتك!
شعرت بغصة وأنا أسمعها، وكأنني كنت أعرف أني سأقطن تلك الغرفة الكئيبة. وقف جاك وطلبت أن أتبعه، ومررنا بالردهة ذات السقف الخفيض، وصعدنا درجا خشبيا يصدر أزيزا كصراخ أرواح حبيسة، حتى وصلنا إلى بسطة صغيرة لها بابان. فتح أحدهما وطلب مني الدخول، ثم أوصده خلفي دون أن يدلف معي.
شعرت بالرهبة تحوط نفسي وصدري يضيق، كأن الشياطين تكاد تبلعني، كان ثمة شيء ما معي، مقبض ومخيف، غير أني لم أعرف كنهه ولم أسمع صوته، حتى أفقت من النوم مذعورا.
ظل ذلك الحلم يراودني خمسة عشر عاما: المنزل الكبير بطوبه الأحمر، طاولة الشاي، الصمت الكئيب، صعود البرج، دخول الغرفة المسكونة بالرهبة والخوف، ثم السيدة ستون وهي تقول عبارتها الكئيبة، ثم ذلك الشيء الغامض المخيف الذي أستشعره داخلها ولا أستطيع أن أميزه. كان الحلم يتكرر مع بعض التغييرات في تفاصيله ربما؛ فقد أرانا نجلس حول طاولة الشاي تلك في الحديقة، أو قد أرانا نجلس حول المائدة الكبيرة ذات أكواب الزجاج والفضة. لكنه يظل نفس الرهبة، ونفس الصمت. رأيتني مرة ألعب الورق داخل قاعة مضاءة بثريات هائلة، بنفس السكون المطبق على الأنفاس، حتى دخلت علي السيدة ستون وهي تقول عبارتها: اخترت لك غرفة البرج، وسيوصلك جاك! كانت الإضاءة في القاعة قوية كالشمس، ورغم ذلك لم أكد أميز الأوراق التي في يدي..كأن رموزها كلها قاتمة، وبعضها أسود كله، سواد كثيب وقتامة كرهتها.
وكلما تكرر ذلك الحلم البغيض اكتشفت أماكن جديدة داخل ذلك المنزل. فكان ثمة غرفة في نهاية ممر طويل ينتهي بباب مكسو بقماش مخملي أخضر، مظلمة ويفوح منها رائحة الدخان. كما لاحظت تغييرات في أشكال الناس كلما تكرر الحلم؛ فالسيدة ستون مثلا صارت شمطاء، كما بدا على أطرافها الضعف والوهن، حتى جاك نفسه، صار رجلا ناضجا بشارب، بينما اختفت إحدى الأختين، وقد وقر في نفسي أنها تزوجت. ثم حدث أن كف الحلم عني طيلة ستة أشهر أو يزيد، حتى ظننت أنه قد ذهب دون رجعة، حتى رأيتني في ليلة أزور المنزل من جديد، وأقف عند طاولة الشاي، وألمحهم جميعا متحلقين، وملتحفين بالسواد، ولكن دون السيدة ستون. فهمت السبب، ورقص قلبي من نشوة الفرح، وسعدت لأني منيت النفس أني لن أعود لأسمع صوت السيدة الكئيب، وصرت أتكلم كثيرا، وأضحك ملء شدقي، و هم صامتون، ينظرون إلى بعضهم من طرف خفي، فجف حلقي وراودني فجأة إحساس مقيت بالرهبة والخوف، والنور من حولي يخفت حتى لأكاد أتلاشى في بحر من الظلمات. أتاني فجأة صدى السيدة ستون الواثق الكئيب وهي تقول: اخترت لك غرفة البرج..وسيوصلك جاك إليها!
كأن الصوت يأتي من الناحية الخلفية للسور الأحمر خلف البوابة الحديدية، حيث وجهت ناظري خلفها لأجد شاهد قبر وسط العشب، يحفه ضوء رمادي خافت، ومكتوب عليه ” تخليدا لذكرى السيدة جوليا ستون”
رأيتني أقوم من مجلسي وأنا أتبع جاك في صمت، وأصعد الدرج الخشبي بأزيزه الأشبه بالصراخ، ثم أدلف إلى الغرفة وأنا أرتجف. كانت الغرفة أشد ظلمة وأكثر كآبة، ورائحة عفونة تضرب أنفي. أفقت وأنا أشهق فزعا وقلبي يكاد يقفز من بين ضلوعي.
ظل الحلم يلازمني طيلة خمسة عشر عاما، يأتيني على فترات أحيانا، وقد لا يفارقني طوال ثلاث ليال متتالية، وفي كل مرة كانت المشاهد تتكرر دون اختلاف كبير، وإن ظل قلبي يفزع كأنها أول مرة!
كانت الشخوص تكبر، تشيخ وتشيب، ولا أذكر أني رأيت السيدة ستون قط بعد أن شاهدت قبرها، وربما رأيت ابنتها المتزوجة مرة أو مرتين، وبجانبها زوجها. كان صامتا دوما مثل جاك وأختيه. ورغم غياب السيدة، إلا أن صوتها لم يغب، ظل صداه من حولي ليخبرني أنها اختارت لي الغرفة أعلى البرج، وأن ابنها جاك سيوصلني إليها. لا أذكر أني قابلت جاك طوال تلك الأعوام قط. أسمع صوتها وعيناي ترقبان شاهد قبرها من وراء السور وقلبي ينقبض رعبا، ثم أصحو. كدت أعتاد ذلك الكابوس، لولا ذلك الحدث الذي مر على حياتي فغير كل شيء.
كنت في لندن ذلك العام حتى شهر يوليو، ثم أقمت مع صديق لي داخل منزل استأجره أوائل شهر أغسطس بمنطقة غابات آشدون. ثم إني غادرت لندن، واتجهت صوب محطة فورست رو، حيث قابلني صديقي القديم جون كلينتون. لعبنا الجولف حتى أرهقنا التعب، ثم ركبنا سيارته حوالي الخامسة مساء لنقطع مسافة عشرة أميال حتى وصلنا إلى منزله. كان الطقس قبل رحلتنا حارا ورطبا، منعشا بعض الشيء، ثم إنه تغير أثناء طريقنا فصار حارا خانقا وكئيبا، كأن عاصفة توشك أن تهب علينا. انقبض قلبي وشعرت بتوجس غريب. أخبرت جون بما يتملكني من شعور، فابتسم ساخرا مني، ورأى أن توجسي سببه خسارتي أمامه أثناء النهار.
كان الطريق ضيقا ووعرا، فأسلمت جفني للنعاس حتى تنتهي رحلتنا، فما أفقت حتى توقف محرك السيارة فجأة. فتحت عيني لأجد ذلك المنزل الأحمر الكبير أمامي!
شككت أني أحلم. عبرنا قاعة مكسوة بالخشب، بسقف خفيض، وصلنا إلى حديقة كبيرة، وسرنا تحت ظل المنزل حتى وجدنا طاولة الشاي، كانت الحديقة تحوطها الزهور، وكان ثمة سور أحمر ببوابة حديدية، وخلفه شجرة جوز ضخمة. وكان ثمة برج قديم على أحد طرفي المنزل. برج من ثلاثة طوابق.
مشهد يكاد يطابق أحلامي، إلا أن وجوه الشخوص مألوفة، مبتهجة ومرحة، لا صمت ولا سكون، ولا ذلك الشعور البغيض بالانقباض والكآبة!
احتسينا الشاي مبتهجين، ثم إن السيدة كلينتون وقفت في الأخير، وقالت عبارتها الغريبة: اخترت لك الغرفة أعلى البرج، وسيوصلك جاك إليها!
انقبض صدري، وتملكني الحلم بكل رعبه ومخاوفه. حاولت نفض مشاعري كي أبدو طبيعيا، استدار جون نحوي، وأشار بعينه إلى الغيوم فوقنا، ثم إلى أعلى البرج، وهو يقول:
- يبدو أنك على حق، ثمة عاصفة قادمة، ما رأيك أن نذهب سويا لترى غرفتك أعلى البرج؟
قام من جلسته، واتبعته صامتا. مررنا بالقاعة الخشبية، وصعدنا الدرج الخشبي. فتح الباب ودخلت. تملكني الخوف. شعور محض وخالص لا يشوبه أي شعور آخر. استجمعت نفسي، وقررت أن أنفض عني هواجسي، نظرت عبر نافذة الغرفة لأجد شاهد القبر الذي طالما رأيته في أحلامي، بتلك العبارة المكتوبة عليه، والإضاءة الرمادية الخافتة: (ذكرى السيدة ستون)
نظرت حولي، كأني أعرف الغرفة منذ عمر طويل، كل شيء في مكانه مثل الحلم تماما،: السرير على يسار الباب ورأسه عند الزاوية، موقد، ومكتبة صغيرة، وعلى الجهة المقابلة نافذتان بينهما منضدة، ثم حامل الغسيل وخزانة. وجدت حقيبتي قد فتحت، وملابسي معلقة على حامل الغسيل، بينما بسط أحدهم ملابس النوم فوق السرير. فاجأتني صورة غريبة، لم أكن أراها في أحلامي قبلا، لوحة زيتية بالحجم الطبيعي للسيدة ستون، وصورة تخطيطية أخرى لجاك ستون، بمظهره الأخير في أحلامي، وإن بدا رجلا ثلاثينيا، قميئا وخبيثا. كانت صورته معلقة بين النافذتين، تنظر مباشرة إلى صورة السيدة ستون، المعلقة بجانب سريري. شعرت بهما يتحلقان حولي. كدت أختنق من الرهبة. صورة السيدة ستون تشبه شكلها في أحلامي، عجوز وشمطاء، أطرافها هزيلة وجسدها ضعيف، لكنها كانت تبتسم بمكر عجيب، وفي وجهها بعض من النشوة، ويداها فوق ركبتها وكأنهما ترتجفان في كبت خفي، بينما عينها تشع حيوية غريبة، شرا محضا، بريقا ينفث طاقة سوداء، حيوية ليست مثل الحياة، وإنما أشبه بفوران الموت! لمحت توقيعا أسفل الصورة (جوليا ستون)
سمعت طرقا على الباب، كان جون كلينتون..
دخل غرفتي وهو يسألني:
- لديك كل ما تريد؟
أشرت إلى صورة السيدة وأنا أردف: - بل أكثر مما أريد!
ضحك، وقال وهو ينظر إليها: - ملامحها قاسية..لم تحاول أن تتجمل حتى في رسمتها.
أجبته في خفوت: - كأنه ليس وجها بشريا..كأنه لساحرة..أو لشيطان!
قال وهو يتمعن فيها: - أتفق معك، لا تصلح هذه الصورة لتكون بجوار السرير وإلا جلبت الكوابيس، أستطيع إنزالها من مكانها إن شئت.
قلت ممتنا: - نعم من فضلك.
ساعدني مع الخادم في خلعها، حيث أخرجناها نحو البسطة، وجعلنا وجهها إلى الحائط. نفض جون يديه قائلا: - ما أثقلها! أتساءل ما الذي تحمله مثل هذه المرأة في رأسها.
كانت اللوحة ثقيلة، نفضت يدي فإذا بي أرى كفي ملطخا بالدماء. قلت منزعجا: - يبدو أني جرحت نفسي!
شهق جون شهقة خفيفة، وأخرج منديلا ليمسح يديه، وأردف: - أنا أيضا
كان الخادم يمسح يده بمنديله بدوره.
ذهبت وجون لنغسل أيدينا. لم نلحظ أي جرح، نظرنا إلى بعضنا، لكننا لم ننبس بشيء.
لما رجعنا كي نستكمل عشاءنا، وجدنا العاصفة لا تزال قائمة. كان الجو خانقا، بظلام دامس ساد السماء، حتى أفلت النجوم وغاب القمر. في حوالي الحادية عشرة استأذن الجمع في الانصراف، ولم يبق على الطاولة سواي وجون نفسه.
سألني متعجبا: - هل لاحظت الدم على يد الخادم كذلك؟ سألته إن كان قد جرح نفسه فأجاب أنه لم يصبه أي خدش.
كنت قد وعدت نفسي ألا أفكر في الأمر. أجبته متصنعا لا مبالاة: - لا أعرف. ما يهمني أن اللوحة لم تعد في مكانها.
قام فجأة من جلسته. وقال: - عجيب!
كان يحدق في كلبه الأيرلندي الكبير، والذي ظل ينبح ويزوم وهو ينظر باتجاه شاهد قبر السيدة ستون، وشعاع من الضوء قد انبعث من القاعة في اتجاه البوابة الحديدية، كان يزمجر ويبرز أنيابه كأنه يوشك أن ينقض على شيء ما، ثم يتراجع وهو يعوي عواء أشبه بالمواء، وينكمش بجانب صاحبه جون، والذي أردف متعجبا: - صار يفعلها كثيرا..كأنه رأى شيئا يخافه.. يخافه إلى حد الكراهية!
غلبني فضولي، سرت نحو البوابة الحديدية أتقفى شعاع الضوء وعيناي تجوس وراء السور، لمحت شيئا يتحرك في خفة، والتقطت أذني صوت خرخرة، أشعلت عود ثقاب وأنا أغالب الظلام، رأيت قطا كبيرا يقفز هنا وهناك، ثم يدس أنفه في الأحراش يشمشم عند الشاهد.
ضحكت، وأشرت إليه مخاطبا جون: - مجرد قط..
قال جون وهو يهز رأسه: - كلبي والقط صديقان منذ زمن، ثمة أمر آخر.
هطل المطر فجأة بغزارة، اندفع القط من بين قضبان البوابة الحديدية نحو المنزل ليحتمي من البلل، ثم خدش ساق جون بمخلبه غاضبا أن حاول غلق الباب قبل وصوله.
ذهبت إلى غرفتي أعلى البرج..كنت ناعسا وقد بلغ بي التعب مبلغه، شعرت براحة كبيرة وضوء الشمعة منعكسا على الحائط دون لوحة السيدة ستون. تأملت لون الحائط، دكنة حمراء مكان اللوحة تماما، والبقية حمراء باهتة من أثر الزمن. أطفأت الشمعة واستسلمت للنوم.
أفقت فجأة إثر سطوع ضوء خاطف. كان الظلام دامسا فلا أكاد أبصر يدي. تجمد الدم في عروقي، وجف حلقي. كان الرعد يدوي في الفضاء، فكرت أنه البرق ربما ولكن القلب لم يهدأ. شعرت بشيء ما داخل الغرفة..شيء أعرفه وأرهبه. لوحت بيدي محاولا دفعه عني. لامست أصابعي حرفا بارزا وقاسيا، كان حرف لوحة معلقة!
قفزت مذعورا، ارتطمت بالطاولة فانقلبت على الأرض، ومعها الشمعة وعلبة الكبريت. كان ضجيجا هائلا، ضجيج الطاولة والشمعة، وصوت دقات الساعة، ودقات قلبي بين جنبي. أومض نور البرق الخاطف فإذا بي أرى لوحة السيدة ستون معلقة في مكانها! أظلمت الدنيا مجددا، ثم أومضت لأرى امرأة شمطاء تقف على سريري، ثوبها بال، تبتسم في مكر وعلى وجهها آثار العفن. كان هو نفسه وجه السيدة ستون. توقف الرعد لحظات، ساد بعدها سكون مقيت. سمعت فحيحا يقترب، وشعرت بيد توضع على عنقي، وصوت أنفاس لاهثة يلفح أذني. أدركت أنه شيء بغيض، أستشعره بحواسي كلها رغم أنه لا ينتمي إلى عالم الحواس. في الأخير سمعته يتكلم: - كم انتظرت هذه اللحظة! اليوم سأسد جوعي، وقريبا ستسد جوعك!
شعرت بلهيب أنفاس على عنقي. شل عقلي وجسدي وتسمرت لحظات، ثم لوحت بيدي وركلت بقدمي، حتى سمعت زمجرة كأنها صرخة حيوان يتألم، وشيء ما يسقط بجانب قدمي. ركضت نحو الباب وكدت أتعثر من ذلك الشيء المكوم على الأرض، فتحت الباب سريعا وخرجت قبل أن أغلقه بعنف خائف، وسمعت صوت باب يفتح في الأسفل، كان جون يحمل شمعة وهو يصعد الدرج إلى غرفتي، قائلا: - ما الذي يحدث هناك؟
تقلص وجهه وجحظت عيناه وهو ينظر إلى عنقي: - ما هذه الدماء بحق السماء؟!
كان وجهي شاحبا، وعلى عنقي أثر يد ملطخة بالدم، وأنا أشير نحو الغرفة، وأقول بصوت مبحوح: - إنها هناك، كما أن اللوحة لا تزال هناك، في مكانها..تماما.
لم يصدقني، ضحك ملتاعا، قال: - هو كابوس لا شك!
دفعني من أمامه، وانطلق ليفتح باب غرفتي، زكمت أنفه الرائحة، غاب في الغرفة لحظات، ثم رجع إلى البسطة بوجه شاحب كوجهي، قال: - فلنخرج سريعا من هنا..
هبطت الدرج بخطوات أثقلها الفزع، كان الرعب يرج أعماقي، وأنا لا أكاد أبصر تحت قدمي. كنت ألمحه ينظر بين الفينة والفينة إلى أعلى، وقدماه ترتعشان وهما يهبطان بجانبي.
مرت الساعات بطيئة وثقيلة، وهدأت العواصف وقد بزغ نور الفجر في الأفق. كنت وجون حول طاولة الشاي بالحديقة، نحاول أن نلملم شتات عقولنا وأرواحنا. في تلك الأثناء كان خادمان يحملان كفنا ملوثا بالعفن والتراب، يضعانه على عربة وهما يرسمان الصليب على صدريهما، ويحفران الأرض عند شاهد قبر السيدة، ويواريان الكفن التراب. نظر أحدهما إلى جون وهو يرسم الصليب على صدره من جديد.
مر على هذه الحادثة أياما..لست أذكر كيف رجعت منزلي، وكيف مرت علي الأيام بعد كل ذاك الرعب الذي سكن بداخلي. الغريب أن أحلامي توقفت. لم أعد أحلم. كان قد جاءتني رسالة من ساعي البريد، فوجدتها رسالة من جون كلينتون. كانت اعتذارا طويلا عن ساعات الخوف والرعب بمنزله. اعترف جون أن المنزل مسكون بروح نجسة، كانت من قبل روح امرأة خاطئة، انتحرت وماتت دون أن تنعم بالغفران. دنس الشيطان روحها، فكلما دفنوها في مقبرة قامت تدنس الأرض بخطاياها قبل أن تعود إلى مرقدها تحت التراب. قررت الكنيسة أن تدفن في أرض لم تباركها يد قس ولم تكرسها صلوات. في الأخير دفنت في حديقة بجانب بيت آل كلينتون. وراء السور الأحمر، عند شجرة الجوز الكبيرة.
انتهت رسالة جون، وأدركت أن كابوسي القديم كان روحها تناديني. لكن لماذا أنا؟
مرت علي الأيام تتوالى في بطء ورتابة. غير أني بدأت أشتم في نفسي رائحة غريبة. رائحة أشبه برائحة التراب المخلوط بالعفن. وجدتني أكتب رسالة لجون..كتبت إليه:
عزيزي جون..اخترت لك الغرفة الثالثة بمنزلي. أنتظرك!
تمت.