عبد الله ابن سبأ: أول جاسوس من المستعربين
عبد الله ابن سبأ: أول جاسوس من المستعربين
سيد جعيتم
لا تقتصر براعة إسرائيل في التجسس التكنولوجي باستخدام تقنية SIGINT لجمع المعلومات الاستخباراتية، وكذلك عبر الأمن السيبراني الهجومي.
لكن أخطر عملياتها ليست تلك التي تعتمد على التكنولوجيا، بل تلك التي تنفذها وحدة المستعربين: وهم يهود من أصول عربية أو من يتقنون اللغة العربية حتى حد التماهي مع المجتمع. هذه الوحدة تأسست عام 1941، قبل قيام دولة إسرائيل، ومهمتها مزدوجة: جمع المعلومات وتنفيذ الاغتيالات. أخطر عناصرها من نجحوا في التغلغل داخل الجيوش والمنظمات العربية، بل إن بعضهم درس علوم الدين الإسلامي وارتدى زي العلماء ليخدع الناس.
ولا تستثني إسرائيل حتى حلفاءها من عملياتها التجسسية.
هذا الأسلوب ليس جديدًا؛ فقد عرفه المسلمون منذ صدر الإسلام، حين ظهر عبد الله بن سبأ كأول جاسوس يهودي مستعرب، أتقن صناعة الفتنة.
ظهر ابن سبأ في المدينة زمن خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأعلن إسلامه وأظهر التدين، حتى صار له أتباع يُعرفون بـ”السبئية”. وكان أول من حرّض على الخروج على عثمان وقتله. ثم في خلافة علي رضي الله عنه، لعب دورًا محوريًا في زرع الفتنة التي أدت إلى إشعال موقعة الجمل عام ٣٦هـ، بين جيش الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجيش المطالبين بالقصاص من قتلة عثمان بقيادة طلحة والزبير، ومعهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
كاد الطرفان أن يتفقا على حل سلمي، لكن ابن سبأ حرّك أتباعه ليلًا، فهاجموا الجند وأشعلوا الحرب. بل وصل به الأمر إلى محاولة قتل السيدة عائشة برشق هودجها بالنبال حتى صار كالقنفذ من كثرة السهام، لولا أن عليًا رضي الله عنه أمر أخاها محمد بن أبي بكر بعقر الجمل لإنقاذها.
وبسبب هذه الفتنة قُتل كثير من المسلمين، وعلى رأسهم الصحابيان طلحة والزبير رضي الله عنهما. ثم غلا ابن سبأ في دعواه حتى نسب الألوهية لعلي، وبدأ في سب الصحابة، فتبرأ منه علي وأحرق بعض أتباعه، وهرب ابن سبأ إلى المدائن.
ويختلف الكثيرون من أهل السنة والشيعة في شأن ابن سبأ؛ فبعضهم يؤكد وجوده، بينما يعتبره آخرون شخصية مختلقة لا وجود لها، اختلقها أعداء الإسلام. فكيف لرجل واحد أن يمتلك هذه القدرة على تأليب جيوش المسلمين، وعلى رأسهم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
ما فعله ابن سبأ في صدر الإسلام من تغلغل داخل المجتمع، وادعاء التدين، ثم زرع الفتن بين المسلمين، هو النموذج الأول لما يمكن أن يفعله جاسوس متقن للاندماج.
واليوم، الهدف لم يتغير؛ إذ تعيد إسرائيل إنتاج هذا النموذج عبر وحدات المستعربين، الذين يتقنون العربية، يعيشون بيننا، يتزوجون من بناتنا، ويرتدون زي الوعاظ في المساجد، ليخدعوا المجتمعات، ويفتتوا وحدتنا، ويزرعوا الشكوك والانقسامات والفتن الطائفية، وينفذوا عمليات الخطف والاغتيالات.
فهل نتعلم من التاريخ؟ إن مواجهة العدو لا تكون فقط بالسلاح، بل بالوعي الذي يكشف أساليبه المتكررة عبر العصور.