ألسنةُ الوشايةِ حينَ تغتالُ الحقيقةَ
ألسنةُ الوشايةِ حينَ تغتالُ الحقيقةَ
بوعون العيد – الجزائر
رحلتنا على وجه البسيطة، وفي مدارجها نصعد سُلَّم الأيام، درجًا بعد درج؛ حيث تتسامى الآمال، ويرفرف طائر الطموح بجناحي الحزم والعزم، رغبةً في الوصول إلى تلك الدوحة الفينانة؛ بنخلها السامق، وأشجارها الباسقة، وظلالها الوارفة، وبساتينها الغنّاء، ومياهها الرقراقة المنسابة بين سواقيها، مشكلةً حول أشجار الأيام قلائدَ تميّز، وعقودَ إخلاص.
وفي رحلتنا تلك يرافقنا الكثير ممن جمعتنا بهم محن الحياة ومطالب الرزق، فجعلنا من الألفة زادًا، ومن اللقيا مطيةً، ومن الفضاء مسرجةً تبدد غياهب غوائل متطلبات العمر. وحين تتناغم العقول على سيمفونية الانضباط والإخلاص في العمل، تتواشج النفوس الكَلِمة، والأرواح المتفئدة، وهواجس القلوب؛ فينساب في الرحلة صفو الوداد طبيعةً وسجية.
وتمضي الأيام بخطى متسارعة، وتبدأ المحطات تتوالى للنزول والمغادرة، وتختلف الوجهات والمنقلبات. ثَمَّتَ ترتسم صور خالدة، كانت كرسم الوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها السنون ولا تطويها الأيام. وهناك من تُباعده المسافات، فيستذكر ما طوته الخوالي ساعة يقف على شرفة بيت العمر، مطلًّا يستنشق عبق الماضي، ويصعد زفرة الحاضر.
وهناك من ترجل عن صهوة الرحلة ليمكث غير بعيد، لكن سرعان ما تُسوِّل له نفسه ـ التي جُبلت على الوشاية والتحريض والتأليب ـ أن يتناسى تلك الأيام التي تقلّب فيها بين الأعطاف، فنال من الألطاف، وكانت له حظوة وحسن مقام، بل كان له مكانة يحسده عليها مَن شاطروه الرحلة.
وتراه يمرق من الحقيقة كما يمرق السيف من الرمية، والأدهى والأمر أن ينقلب على نقيض ما كان عليه؛ كيف لا، وهو لا يلبث على حال من قوله وشنيع صنيعه؟! فينقل الحقائق، ثم ينتزع منها الجوهر، ويكسوها غطاء الوشاية؛ ليقدمها في حلة جديدة لأولئك الذين يسألون ويتساءلون عن هذا الذي…
ولأن الحكمة الغامضة توضح التبيين والتفسير، وتقرّ التناسب، فإنها تكشف ما وراء هذه الغوغاء. وهناك من الفضلاء من تأتي ألفاظهم مطابقةً لصدق أساريرهم، وقد تكون قولًا عقليًا غايته صحة القول وسلامة النقل؛ فيكون كلامهم كوخز الخضرة في الشجرة اليابسة، هنا وهناك.
أما أولئك الذين تماروا في القدح والتشويه، فستكون مكانتهم كالطير ذي الجناح الواحد؛ يجري به ويدفّ، لكنه لا يطير. ثَمَّتَ تكون الواقعة، ويحق الحق ويبطل الباطل، ولو كره المبطلون.
وفي التقاء الجمعين تكون الخسارة والندامة، واصفرار الوجه، والقُبوع والانزواء، ويُرمى بثالثة الأثافي، ويكون حمده ذمًّا عليه، ويندم حين لا ينفع الندم.
وهكذا تمضي رحلة الأيام، وتبقى الحقيقة ـ وإن علا فوقها غبار الوشاية ـ شامخةً لا تطمس معالمها الألسن، ولا تحجب نورها الأهواء؛ فالأيام كفيلة بكشف الخفايا، وردِّ الحقوق إلى أهلها، ويبقى الأثر الطيب شاهدًا على أصحابه، أما الزيف فسرعان ما تذروه رياح الزمن
ولعلّ أصدق مايقال في حقّ أولئك” في الوجه مرٱة وفي القفا مذراة، وقد قيل : ( صاحب الوجهين لايكون عند الله وجيها).