أحمد عرابى وجمال عبد الناصر فى لوحتين …. مقال بقلم د.احمد دبيان
أحمد عرابى وجمال عبد الناصر فى لوحتين …. مقال بقلم د.احمد دبيان
تشد انتباهى دوماً هاتين اللوحتين اللتين تمثلان نقطتين فارقتين فى تاريخ مصر والشعب المصرى.
الأولى حين استطاع فلاح يملك القدرة والارادة والعزيمة على مجابهة نظرية الحكم الإلهى التى ترسخت فى فقة السلطة العربى الإسلامى منذ أقرها الخليفة عثمان بن عفان بقوله للثوار:
ما كنت لأخلع عباءة ألبسانيها الله
ليحطم قولة أبى بكر فى فقه الخلافة
وقوله يوم التولية بعد وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام :
وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى.
( ما كنت لأخلع عباءة ألبسانيها الله )
سلبت الأمة حقها فى التقويم والتدخل وطلب العدالة الأجتماعية وجعلها منحة فوقية سالبة الامة اياها كحق أصبل.
خرج عرابى ورجاله ولم يكن فقيراً أو بدوافع الحقد كما يزعم البعض فقد كان يملك قصراً واراضٍ زراعية تبلغ قرابة الثلاثمائة فدان فى رحلته للصعود الإجتماعى وقد كان ممكناً أن يكتفى بهذا لكنه خرج ليضع كابحاً لطغيان الشراكسة والتفاوت الإستعلائى الذى صنعته منظومة التفاوت الإجتماعى.
كان مما قاله عرابى وبعد نجاح الثورة مما أورده الأستاذ محمود الخفيف فى كتابه فصل فى تاريخ الثورة العرابية؛
ﺛﻢ أﻧﺼﺖ اﻟﺠﻤﻊ إلى ﻋﺮاﺑﻲ
ﻓﺄﻟﻘﻰ ﺧﻄﺎﺑًﺎ ﺧﻄيراً ﺟﺎء ﻓﻴﻪ ﻗﻮﻟﻪ: »ﺳﺎدﺗﻲ وإﺧﻮاﻧﻲ: ﺑﻜﻢ وﻟﻜﻢ ﻗﻤﻨﺎ وﻃﻠﺒﻨﺎ ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺒﻼد
وﻻ ﻧﻨﺜﻨﻲ ﻋﻦ ﻋﺰﻣﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﺤﻴﺎ اﻟﺒﻼد وأﻫﻠﻬﺎ، وﻣﺎ ﻗﺼﺪﻧﺎ ﺑﺸﻌﺒﻨﺎ إﻓﺴﺎدًا وﻻ ﺗﺪﻣيرًا، وﻟﻜﻦ
لمﺎ رأﻳﻨﺎ أﻧﻨﺎ ﺑﺘﻨﺎ فى إذﻻل واﺳﺘﻌﺒﺎد وﻻ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﰲ ﺑﻼدﻧﺎ إﻻ اﻟﻐﺮﺑﺎء، ﺣﺮﻛﺘﻨﺎ اﻟﻐيرة اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ
واﻟﺤﻤﻴﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ إلى ﺣﻔﻆ اﻟﺒﻼد وﺗﺤﺮﻳﺮﻫﺎ والمطﺎﻟﺒﺔ ﺑﺤﻘﻮق اﻷﻣﺔ«، وﻗﺎل ﻋﻦ اﻟﻈﻔﺮ
ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق: »وﻧﺤﻦ اﻛﺘﺴﺒﻨﺎﻫﺎ ﰲ ﺳﺎﻋﺔ واﺣﺪة ﻣﻦ ﻏير أن ﻧﺮﻳﻖ ﻗﻄﺮة دم، أو ﻧﺨﻴﻒ ﻗﻠﺒًﺎ،
أو ﻧﻀﻴﻊ ﺣﻘ ٍّ ﺎ أو ﻧﺨﺪش شرفاً وﻣﺎ وﺻﻠﻨﺎ إلى ﻫﺬه اﻟﺪرﺟﺔ اﻟﻘﺼﻮى إﻻ ﺑﺎﻻﺗﺤﺎد واﻟﺘﻀﺎﻓﺮ
ﻋﲆ ﺣﻔﻆ شرف اﻟﺒﻼد«، وﻣﻦ أﻫﻢ ﻣﺎ ﺟﺎء فى ﺧﻄﺎﺑﻪ ﻗﻮﻟﻪ: »اﻟﺒﻼد ﻣﺤﺘﺎﺟﺔ إﻟﻴﻨﺎ وأﻣﺎﻣﻨﺎ
ﻋﻘﺒﺎت ﻳﺠﺐ أن ﻧﺘﺨﻄﺎﻫﺎ ﺑﺎﻟﺤﺰم واﻟﺜﺒﺎت، وإﻻ ﺿﺎﻋﺖ ﻣﺒﺎدﺋﻨﺎ، ووﻗﻌﻨﺎ فى شرك اﻻﺳﺘﺒﺪاد
ﺑﻌﺪ اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻨﻪ«، وﻗﻮﻟﻪ: »وﻗﺪ ﻓﺘﺤﻨﺎ ﺑﺎب اﻟﺤﺮﻳﺔ فى الشرق ﻟﻴﻘﺘﺪي ﺑﻨﺎ ﻣﻦ ﻳﻄﻠﺒﻬﺎ ﻣﻦ
إﺧﻮاﻧﻨﺎ الشرقيين «.
واﺳﺘﻘﺒﻞ ﻋﺮاﺑﻲ ﺑﺤﻔﺎوة ﻛﺒيرة فى المحطات اﻟﺘﻲ وﻗﻒ ﺑﻬﺎ اﻟﻘﻄﺎر. وﻛﺎن ﻣﻤ ﱠ ﺎ ﻗﺎﻟﻪ
ﻋﺮاﺑﻲ فى اﻟﺰﻗﺎزﻳﻖ: »أﻧﺎ أﺧﻮﻛﻢ فى اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ اﺳﻤﻲ أﺣﻤﺪ ﻋﺮاﺑﻲ ﻣﻦ ﺑﻠﺪة ﻫﺮﻳﺔ رزﻧﺔ ﻣﻦ
ﺑﻼد اﻟشرﻗﻴﺔ ﻫﺬه«، وﻣﻤﺎ ﺟﺎء فىًﺧﻄﺎﺑﻪ ﻫﺬا ﻗﻮﻟﻪ: »ﻻ ﺗﻌﻮﻟﻮا ﻋﲆ اﻷراﺟﻴﻒ وإﺷﺎﻋﺎت.
أﻫﻞ اﻟﻔﺴﺎد، واﻋﻠﻤﻮا أن اﻟﺒﻼد ﻣﺤﺘﺎﺟﺔ إلى اﻟﺨﺪﻣﺔ ﺑﺎﻟﻘﻮة واﻟﻔﻜﺮ واﻟﻌﻤﻞ«، وﻗﺎل فى ﺧﻄﺒﺔ
أﺧﺮى ﺑﺎﻟﺰﻗﺎزﻳﻖ: »ﻟﻘﺪ أﻧﻘﺬﻧﺎﻛﻢ ﻣﻦ ﻳﺪ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻮا ﻟﻜﻢ ﺣﺮﻣﺔ وﻻ ﻳﻌترﻓﻮن ﺑﺤﻖ، وﻻ
ﻳﺮون أﻧﻜﻢ ﻣﺜﻠﻬﻢ ﻣﻦ ﺑﻨﻲ اﻹﻧﺴﺎن … وأﻧﺘﻢ اﻵن ﻣﻬﻴﺌﻮن ﻟﻼﻧﺘﺨﺎب ﻓﻼ ﺗﻤﻴﻠﻜﻢ اﻷﻫﻮاء
واﻷﻏﺮاض ﻻﻧﺘﺨﺎب ذوي اﻟﻐﺎﻳﺎت، ﺑﻞ ﻋﻮﻟﻮا ﻋﲆ اﻷذﻛﻴﺎء واﻟﻨﺒﻬﺎء اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺮﻓﻮن ﺣﻘﻮﻗﻬﻢ.

لفتت انتباهى فى الخطبة الأولى لعرابى هذه العبارة الفارقة :
( وﻧﺤﻦ اﻛﺘﺴﺒﻨﺎﻫﺎ ﰲ ﺳﺎﻋﺔ واﺣﺪة ﻣﻦ ﻏير أن ﻧﺮﻳﻖ ﻗﻄﺮة دم، أو ﻧﺨﻴﻒ ﻗﻠﺒًﺎ)
ليتكرر القول بعدها بسبعين عاماً على لسان الزعيم جمال عبد الناصر :
ومن أبرز الملامح التي تؤكدّها شهادات المقرّبين منه هي نفوره من العنف وإراقة الدماء. فعند قيام ثورة يوليو كان حريصاً ألا تراق قطرة دم واحدة، وعندما انتصرت الثورة، واستولى الجيش على السلطة كان بعض الضباط الأحرار يرون محاكمة الملك فاروق وإعدامه، ولكن عبد الناصر عارض الفكرة، وكان رأيه أن يسمح له بالمغادرة إلى الخارج، وقال لزملائه ((إن الدم لا يؤدي إلا إلى مزيد من الدم… هل قرأتم كتاب تشارلز ديكنز قصة مدينتين؟ علينا أن نتعلم درس الثورة الفرنسية وإلا ما فائدة التاريخ)).
ربما كان هذا سمت الثورات المصرية عدم النزوع إلى الدموية والعنف وربما كان هذا واحداً من الأسباب الكبرى لقصر مدة تحولاتها وانقضاض الثورة المضادة السريع عليها.
اللوحة الأولى والثانية تلخصان النقطتين الفارقتين فى تاريخ مثقل بالتعالى والتهميش للكتلة الشعبية فى الخروج واثبات الذات على يد طليعتها من ابناء الطبقة المتوسطة العسكرية.
لم يكن الدافع حقداً ففعلياً كان الإرتقاء المادى الاجتماعي لرجال الثورتين قد حدث بدخل متميز عن باقى افراد الشعب وبصعود اجتماعى سواء بالرتبك وبلقب الباشوية المحتم حصولهم عليه بوصولهم للرتب العليا.
فى احد الخطب للزعيم جمال عبد الناصر قال :
ما إحنا كنا كويسين ومرتاحين وحناخد الباشوية
وجم بعد الثورة يزينوا لينا الحياة المرتاحة والعيشة السهلة .
لكننا نؤمن أن الثورة كفاح وعرق وعمل .
فى كل الأحوال لا ننزلق الى امراض الطفولة اليسارية كما شخصها لينين من بعض الشيوعين المراهقين الذين اعتبروا ان الثورتين عبارة عن صعود خونتا عسكرية .
الراقع ان الثورتين ومع درجة تطور المجتمع التى ينحونها جانباً والدور الحتمى للفرد هنا كطليعة لم يفرزها المجتمع وانما جاءت كجهد فردى باصطناعة الطلائع متمثلة فى مقهى متاتيا ولقاءات عرابى ورفاقه مع جمال الدين الأفغانى أو بمحاولة التنظيمات السياسية النخبوية من إخوان لشيوعيين لمصر الفتاة محاولة إختراق الطليعة العسكرية .
فشلت التنظيمات التى لم تملك القدرة على صنع آلية التغيير وارساء المؤسسات فى الحالين فكان النفى للأفغانى الذى غادر ليصنع التغيير العرابى طليعة تملك أدوات التغيير وليتنحى الشيوعيين والتيارات الدينية طوعاً أو قسراً ليتصدر المشهد لطليعة فى حقب أخرى ملكت أدوات التغيير .
