الإرادة المصرية وثورة 23 يوليو الإنسانية
الإرادة المصرية وثورة 23 يوليو الإنسانية
رؤية: م.د/ سمير محمد كيرة

لم تكن عبارة: «لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم» مجرد مقولة أو كلمات عابرة، بل كانت حلم شعب بالحرية والاستقلال، ظل يداعب أرواح المصريين وقلوبهم طويلًا، بعد أن سقط الوطن في براثن الاستعمار الغاشم، الذي حاول طمس هوية أمة كاملة وإرادتها، وجعل شعبها يذوق مرارة الظلم والاضطهاد، بينما تُسلب خيرات وطنه أمام عينيه، وهو مكبل الأيدي والإرادة.
حاول الاستعمار، بمعاوله الهدامة، تحطيم العزيمة المصرية بكل وحشية، وبشتى أساليب القمع اللاإنسانية، إلا أن إرادة الشعب الأبي لم تنكسر؛ ذلك الشعب الذي سطر تاريخ كفاحه ونضاله على جدران المعابد منذ فجر التاريخ المصري، فلم يستسلم للهزيمة يومًا، ولم يقبل الذل، أو أن تُغتصب أرضه وحريته، مهما سالت الدماء، وأزهقت الأرواح، ونُفي الأحرار.
فقد شهد التاريخ نفي كثير من المناضلين عقب ثورة 1919، كما شهد إعدام عدد من الأبطال، ومنهم والد أبي البكباشي عبد الحي كيرة، رفيق كفاح الزعيم أحمد عرابي، الذي أُعدم رميًا بالرصاص، واقفًا، بعد أن رفض الخضوع أو الاعتراف على رفاقه. ثم جاء من بعده ابنه، وعمي أحمد عبد الحي كيرة، الذي اغتال السردار الإنجليزي لي ستاك، فقامت سلطات الاحتلال برصد مكافأة قدرها عشرة آلاف جنيه مصري لمن يأتي به، حتى انتهى الأمر باغتياله في إسطنبول بتركيا آنذاك.
وهؤلاء ليسوا إلا نماذج من عشرات الآلاف من الأبطال الذين سطروا ملاحم البطولة، رغم ما تعرضوا له من تعذيب وتنكيل، ومصادرة للممتلكات، وسجن وتشريد، فزادهم ذلك إصرارًا وعزيمة على التضحية فداءً لتراب الوطن الذي يسكن القلوب.
ومن أجل ذلك استمرت مسيرة الكفاح والدفاع عن الوطن عبر القرون، ضد كل ظالم ومستعمر، بدءًا من أحمس، قاهر الهكسوس، مرورًا بقطز الذي أوقف زحف المغول، الذين كان هدفهم إبادة العالم ونشر أبشع صور القتل، ثم ثورة أحمد عرابي، وثورة 1919 الوطنية، وصولًا إلى استمرار كفاح خير أجناد الأرض عبر التاريخ. ولم تلن الإرادة المصرية يومًا، ولم تنكسر عزيمة أبطالها.
فكانت ثورة 23 يوليو 1952
هي التحول المحوري في تاريخ مصر الحديث؛ إذ تحولت البلاد من المملكة المصرية إلى الجمهورية، وقاد الثورة تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بقيادة اللواء محمد نجيب، وبالدور المحوري الذي اضطلع به جمال عبد الناصر.
المبادئ الستة للثورة
قامت الثورة على ستة أهداف رئيسية، هي:
- القضاء على الاستعمار وأعوانه.
- القضاء على الإقطاع.
- القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
- إقامة العدالة الاجتماعية.
- إقامة جيش وطني قوي.
- إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
أبرز الإنجازات :
سياسيًا
إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية عام 1953، وتولي محمد نجيب رئاسة الجمهورية.
توقيع اتفاقية الجلاء وإنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر.
تأميم شركة قناة السويس عام 1956.
اجتماعيًا واقتصاديًا
- إصدار قانون الإصلاح الزراعي، والحد من الملكيات الزراعية الكبيرة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
- بناء السد العالي، لحماية مصر من الفيضانات والجفاف، وتوفير الطاقة الكهربائية.
- إقرار مجانية التعليم في مختلف مراحله، والتوسع في التصنيع الوطني.
عربيًا ودوليًا
- دعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا.
- الإسهام في تأسيس حركة عدم الانحياز، بالتعاون مع قادة العالم الثالث.
ويمكننا القول إن ثورة 23 يوليو هي:
النقطة التي أعادت تشكيل تاريخ مصر والعرب؛ فلم تكن مجرد حركة عسكرية لإنهاء حكم ملكي أو طرد احتلال أجنبي، بل كانت زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأسرها. ولا تكمن أهميتها في أحداثها فحسب، بل فيما أحدثته من تحول جذري في مفاهيم السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وحركات التحرر العالمية.
أولًا: إعادة تعريف السيادة والكرامة الوطنية
قبل الثورة، كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال البريطاني وتدخلاته السافرة في شؤونها الداخلية، إلى جانب نظام ملكي عانى كثيرًا من الفساد السياسي.
وقد تجلت أهمية الثورة في تحقيق الاستقلال الفعلي من خلال:
توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954، وخروج آخر جندي بريطاني من الأراضي المصرية.
تأميم قناة السويس عام 1956، واستعادة شريان التجارة العالمي إلى السيادة المصرية، في تحدٍ واضح للقوى الاستعمارية الكبر
ثانيًا: إعادة هيكلة المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية
لم تكن الثورة سياسية فحسب، بل كانت ثورة اجتماعية أيضًا، إذ سعت إلى معالجة الاختلال الكبير في توزيع الثروة والفرص.
القضاء على الإقطاع: بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، الذي حدَّ من الملكيات الزراعية الكبيرة، ومكَّن الفلاح من امتلاك الأرض التي يزرعها.
مجانية التعليم: وإتاحة فرص التعليم لجميع أبناء الشعب، بما فتح الطريق أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة للوصول إلى أعلى المناصب.
تمكين العمال والفلاحين: بمنحهم حقوقًا نقابية، وإشراكهم في مجالس إدارة المؤسسات والشركات.
ثالثًا: النهضة الاقتصادية وبناء الدولة الحديثة
أدركت قيادة الثورة أن السيادة السياسية لا تكتمل دون استقلال اقتصادي، فاتجهت نحو التنمية الشاملة.
المشروعات القومية الكبرى: وفي مقدمتها السد العالي، الذي وفر الطاقة الكهربائية، وحمى مصر من الفيضانات والجفاف، وأسهم في التوسع الزراعي.
التصنيع الوطني: من خلال إنشاء القلاع الصناعية، مثل مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج، لتتحول مصر إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية قوية.
رابعًا: الإشعاع الإقليمي والدولي
لم يقتصر تأثير ثورة 23 يوليو على مصر، بل امتد إلى العالم الثالث بأسره.
دعم حركات التحرر الوطني: حيث أصبحت القاهرة قبلة لقادة التحرر في إفريقيا والوطن العربي، وقدمت لهم الدعم السياسي والعسكري والإعلامي.
تأسيس حركة عدم الانحياز: بمشاركة جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو وجوزيب بروز تيتو، لتشكيل تيار دولي مستقل عن الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي.
الخاتمة
تبقى ثورة 23 يوليو 1952 حجر الزاوية في بناء مصر الحديثة. فعلى الرغم من التحديات والمحطات الصعبة التي مرت بها، فإنها نجحت في ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية، والكرامة الوطنية، والسيادة المستقلة. ولم تكن مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل تجربة إنسانية وسياسية ألهمت شعوبًا كثيرة في مسيرتها نحو التحرر والتنمية.
ما زال ثرى ترابك، يا وطني، يداعب أحلامي، وما زلت أتنفس عطرك