الإرادة المصرية وثورة 23 يوليو الإنسانية

لم تكن عبارة: «لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم» مجرد مقولة أو كلمات عابرة، بل كانت حلم شعب بالحرية والاستقلال، ظل يداعب أرواح المصريين وقلوبهم طويلًا، بعد أن سقط الوطن في براثن الاستعمار الغاشم، الذي حاول طمس هوية أمة كاملة وإرادتها، وجعل شعبها يذوق مرارة الظلم والاضطهاد، بينما تُسلب خيرات وطنه أمام عينيه، وهو مكبل الأيدي والإرادة.

حاول الاستعمار، بمعاوله الهدامة، تحطيم العزيمة المصرية بكل وحشية، وبشتى أساليب القمع اللاإنسانية، إلا أن إرادة الشعب الأبي لم تنكسر؛ ذلك الشعب الذي سطر تاريخ كفاحه ونضاله على جدران المعابد منذ فجر التاريخ المصري، فلم يستسلم للهزيمة يومًا، ولم يقبل الذل، أو أن تُغتصب أرضه وحريته، مهما سالت الدماء، وأزهقت الأرواح، ونُفي الأحرار.

فقد شهد التاريخ نفي كثير من المناضلين عقب ثورة 1919، كما شهد إعدام عدد من الأبطال، ومنهم والد أبي البكباشي عبد الحي كيرة، رفيق كفاح الزعيم أحمد عرابي، الذي أُعدم رميًا بالرصاص، واقفًا، بعد أن رفض الخضوع أو الاعتراف على رفاقه. ثم جاء من بعده ابنه، وعمي أحمد عبد الحي كيرة، الذي اغتال السردار الإنجليزي لي ستاك، فقامت سلطات الاحتلال برصد مكافأة قدرها عشرة آلاف جنيه مصري لمن يأتي به، حتى انتهى الأمر باغتياله في إسطنبول بتركيا آنذاك.

وهؤلاء ليسوا إلا نماذج من عشرات الآلاف من الأبطال الذين سطروا ملاحم البطولة، رغم ما تعرضوا له من تعذيب وتنكيل، ومصادرة للممتلكات، وسجن وتشريد، فزادهم ذلك إصرارًا وعزيمة على التضحية فداءً لتراب الوطن الذي يسكن القلوب.

ومن أجل ذلك استمرت مسيرة الكفاح والدفاع عن الوطن عبر القرون، ضد كل ظالم ومستعمر، بدءًا من أحمس، قاهر الهكسوس، مرورًا بقطز الذي أوقف زحف المغول، الذين كان هدفهم إبادة العالم ونشر أبشع صور القتل، ثم ثورة أحمد عرابي، وثورة 1919 الوطنية، وصولًا إلى استمرار كفاح خير أجناد الأرض عبر التاريخ. ولم تلن الإرادة المصرية يومًا، ولم تنكسر عزيمة أبطالها.

هي التحول المحوري في تاريخ مصر الحديث؛ إذ تحولت البلاد من المملكة المصرية إلى الجمهورية، وقاد الثورة تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بقيادة اللواء محمد نجيب، وبالدور المحوري الذي اضطلع به جمال عبد الناصر.

قامت الثورة على ستة أهداف رئيسية، هي:

  • القضاء على الاستعمار وأعوانه.
  • القضاء على الإقطاع.
  • القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
  • إقامة العدالة الاجتماعية.
  • إقامة جيش وطني قوي.
  • إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
  • إصدار قانون الإصلاح الزراعي، والحد من الملكيات الزراعية الكبيرة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
  • بناء السد العالي، لحماية مصر من الفيضانات والجفاف، وتوفير الطاقة الكهربائية.
  • إقرار مجانية التعليم في مختلف مراحله، والتوسع في التصنيع الوطني.
  • دعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا.
  • الإسهام في تأسيس حركة عدم الانحياز، بالتعاون مع قادة العالم الثالث.

النقطة التي أعادت تشكيل تاريخ مصر والعرب؛ فلم تكن مجرد حركة عسكرية لإنهاء حكم ملكي أو طرد احتلال أجنبي، بل كانت زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأسرها. ولا تكمن أهميتها في أحداثها فحسب، بل فيما أحدثته من تحول جذري في مفاهيم السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وحركات التحرر العالمية.

قبل الثورة، كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال البريطاني وتدخلاته السافرة في شؤونها الداخلية، إلى جانب نظام ملكي عانى كثيرًا من الفساد السياسي.

وقد تجلت أهمية الثورة في تحقيق الاستقلال الفعلي من خلال:

تأميم قناة السويس عام 1956، واستعادة شريان التجارة العالمي إلى السيادة المصرية، في تحدٍ واضح للقوى الاستعمارية الكبر

القضاء على الإقطاع: بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، الذي حدَّ من الملكيات الزراعية الكبيرة، ومكَّن الفلاح من امتلاك الأرض التي يزرعها.

مجانية التعليم: وإتاحة فرص التعليم لجميع أبناء الشعب، بما فتح الطريق أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة للوصول إلى أعلى المناصب.

المشروعات القومية الكبرى: وفي مقدمتها السد العالي، الذي وفر الطاقة الكهربائية، وحمى مصر من الفيضانات والجفاف، وأسهم في التوسع الزراعي.

التصنيع الوطني: من خلال إنشاء القلاع الصناعية، مثل مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج، لتتحول مصر إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية قوية.

لم يقتصر تأثير ثورة 23 يوليو على مصر، بل امتد إلى العالم الثالث بأسره.

دعم حركات التحرر الوطني: حيث أصبحت القاهرة قبلة لقادة التحرر في إفريقيا والوطن العربي، وقدمت لهم الدعم السياسي والعسكري والإعلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى