التوليفة السّريانيّة لتفكيك المنهجية السريالية

-هذا البيان ليس من موقع الشخص الواعظ، ولا من منطق المحاسب القانوني، بل من موقع رفيق الدرب، وأنيس الفكر، وخليل القلب.

وهذا المقال “التوليفة السريانية لتفكيك المنهجية السريالية” هو منهج الحكمة في “تحليل اللامعقول بين القاتل والمقتول”، حيث يجعل من أصالة الجذور وانفتاح الروح سلاحاً في وجه عالم أضناه الزيف القانوني، والخطاب التعبوي اللامعرفي.

ولأن السريانية لغة للعمق الحضاري التاريخي المتجذر في المشرق العربي، ولها مكانتها الخاصة في تاريخ الفكر واللغة، ولها تأملاتها الوجودية التي تشبه القصائد الحِكموية والوجدانية في أصالتها، ونسجها البلاغي.

ولأن السريالية ثورة على العقلانية الجامدة باللاعقلانية، وفن للتمرد على المألوف، وخيال جامح لتقويض قسوة الواقع، وتحرر للمفكر من رقابة الذات، وأداة سخرية من المقدّس، وعبثية فنية لاذعة للمنطق الإمبريقي.

نحن نقف أمام استحقاق أخلاقي لا يحتمل التأجيل، فالأخلاق بدأت تتلاشىٰ شيئاً فشيئاً من المؤسسات، ولم تعد هي البوصلة الموجهة للمسارات المجتمعية الحقيقية، لا بل أصبحت سلعة تباع في سوق الناموس المزيّف، وتُشترى في بورصة الفلوس “المال المشبوه”.

​فحين نتأمل مسار دكتور جامعي وأستاذ مدرسي كنموذج لهذا الانحراف، ندرك أننا أمام حالة من الاغتراب الوجودي القيمي، إذ تحول هذا المتعلّم في قمة الهرم – من حارسٍ للقيم – إلى مدير للأزمات الشخصية، واستبدل المثقف الجامعي صاحب الرسالة السامية والتي كانت تستلزم التواضع أمام المعرفة والصلابة أمام الانحراف – بأشخاص وضعوا محاكاة باهتة لأدوار بيروقراطية لا روح فيها، ولا حياة.

هذا الاعوجاج القيمي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تغلغل البراغماتية المتوحشة في جسد التعليم، حيث صار البحث عن المنصب أو الترقية غاية تبرر كل الوسائل، حتى لو كان ذلك على حساب شرف المهنة وتحصيل الطلاب.

ولتصحيح هذه المسارات المصلحية على مستوىٰ كل المؤسسات العامة علينا بـ “استراتيجية الصبر التكتيكي”، وممارسة نوع من التمرد الأخلاقي العقلاني، بحيث يقرر كل واحد منا، من موقعه، رسم خط يومي للمواكبة والملاحظة، يفصل بين جوهر المهنة، وأعراضها الجانبية المقيتة.

-إن استعادة هيبة الدكتور الجامعي أو الأستاذ المدرسي – تبدأ حين ندرك أن الناموس لا يكتسب باللقب والتسلق والتملق، بل بالقدرة على قول “لا” في وجه المنطق المصلحي، والجرأة على التمسك بالتوليفة التي تربط بين “نبض القلب وعمق العقل”، والسيطرة على (الأنا البغيض الواغل في الملذات العقدية المرضية)، وهذه ليست دعوة للانعزال والاعتزال، بل دعوة لمواجهة واعية للشخصيات المقيتة التي تمرّ بأروقة القاعات التدريسية، وتستمد قوتها من دعم القوننة البيرقراطية، التي تمكّن لهذا الواهن الشاذ، وتنال من صمت القلة القليلة المحترفة المحترمة.

-إن الدور الأصيل للجميع هو كسر الصمت بالحضور الوازن والكلام الواعي، وبالموقف الحازم الذي لا يلين أمام الإغراء أو التهديد، “فالتوليفة السريانية” التي تقتضي “الحكمة” في معالجة الأمور، حيث يجب أن نكون أمناءً في صك الحقيقة، وفي إعادة التوازن للإنسان الأكاديمي المثقف، والمعلم الواعي، ونكون حُماةً لجذورنا الأخلاقية القيمية – متمردين على قوالب العبث المعاصر، وعقلانيين في طرح الحلول عند الإشكاليات، ومتجهّزين لعدم الاستسلام لصالح “المنطق المصلحي المتسلسل” بأي شكل من الأشكال، يجب أن نفككه بأدواتنا الجريئة البريئة، لا العلمية الإدارية طويلة الأمد، كي تكون لذعة ارتجاع – لا محاسبةً تقويضية بحتة، وأن نثبت للجميع أن المكان الأكاديمي لا يزال محراباً للعلم والمعرفة، وأن الصف التعليمي مشكاةً للإخلاص العلمي والإداري، وأن شرف المهنة ليس للتجارة مهما بلغت التحديات، ومهما اشتد عود الغوي الفاشل، والمسؤول الجاهل، والإداري الواغل.

​- هذا المنهج التفكيكي بكل ما فيه من تناقض ظاهر – وتناغم باطن، هو بداية لاستعادة أنسنة المؤسسات بأخلاقياتها، فالمعرفة بلا أخلاق أداة للدمار، والمؤسسة بلا قيم تفتقر للتطور والتقدم، والحل في التوليفة السريانية، ضد “التمرد السريالي”، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وغير ذلك فالمؤسسات الخالية من “ترشيد القلب وتليين العقل” تنتظر زوالها لامحالة.

أحمد رستم دخل الله .. A, R, D

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى