بين العمل الخيري وسيادة القانون : قضية صبري نخنوخ تفتح النفوذ الموازي في المجتمع … مقال بقلم أشرف الجبالي
بين العمل الخيري وسيادة القانون
قضية صبري نخنوخ تفتح ملف النفوذ الموازي في المجتمع
بقلم: أشرف الجبالي
في كل مرة تتصدر فيها شخصية مثيرة للجدل المشهد العام، يتكرر السؤال ذاته: هل يمكن للأعمال الخيرية أن تؤثر في نظرة المجتمع إلى الاتهامات الموجهة لصاحبها؟ وهل تكفي التبرعات والمساعدات الاجتماعية لصناعة صورة إيجابية تتجاوز أي شبهات أو مخالفات قد تنسب إليه؟
هذا الجدل عاد بقوة إلى الساحة مع قضية صبري نخنوخ، التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الماضية، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات التي يجري التحقيق فيها، وإنما أيضاً بسبب النقاش الواسع حول دوره الاجتماعي وما يقال عن مساهماته الخيرية في عدد من المناطق.
ووفقاً لبيان النيابة العامة، بدأت القضية ببلاغ تقدم به أحد أصحاب معارض السيارات، اتهم فيه صبري نخنوخ وآخرين باقتحام معرضه على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين والاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة. وأشارت النيابة إلى أن تحريات الشرطة أيدت الواقعة، وكشفت عن اتهامات بتزعم تشكيل عصابي لفرض السيطرة وممارسة أعمال بلطجة والإخلال بالنظام العام، مع استخدام شركة أمن وحراسة كغطاء للنشاط محل التحقيق.
وأضاف البيان أن النيابة العامة أصدرت أذوناً بضبط وإحضار المتهمين وتفتيش المقار المرتبطة بالقضية، حيث تم ضبط أسلحة وذخائر وأجهزة اتصال غير مرخصة، إلى جانب قطع أثرية. كما أوضحت النيابة أن فحص الهواتف المضبوطة كشف عن تسجيلات تتعلق بوقائع أخرى يجري التحقيق بشأنها، من بينها اتهامات بالخطف والاحتجاز والتعذيب وحيازة أسلحة بدون ترخيص، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال مستمرة وأن جميع الوقائع محل فحص قانوني.
وبعيداً عن مسار التحقيقات الذي يبقى الفيصل فيه للقضاء وحده، فإن القضية أعادت طرح ملف أوسع يتعلق بظاهرة النفوذ الموازي في المجتمع. فخلال العقود الماضية ظهرت نماذج لأشخاص جمعوا بين القوة غير الرسمية والحضور الاجتماعي والخيري، ما منح بعضهم نفوذاً تجاوز حدود النشاط الاقتصادي أو الاجتماعي التقليدي.
المشكلة لا تكمن في العمل الخيري ذاته، فهو قيمة إنسانية نبيلة يحتاج إليها المجتمع، بل في إمكانية استخدامه كوسيلة لصناعة النفوذ أو تحسين الصورة العامة. فالتبرع للمحتاجين يظل عملاً محموداً في ذاته، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن المساءلة القانونية أو معياراً وحيداً للحكم على الأشخاص.
كما تثير هذه الظاهرة تساؤلات مهمة حول علاقة المواطن بمؤسسات الدولة. فعندما يلجأ البعض إلى أصحاب النفوذ غير الرسميين لحل النزاعات أو استرداد الحقوق أو توفير الحماية، فإن ذلك يعكس وجود خلل يحتاج إلى معالجة، لأن الأصل أن تكون مؤسسات الدولة والقانون هي المرجعية الوحيدة للفصل في الحقوق وحماية المواطنين.
ومن هنا تكتسب الرسالة التي أكدت عليها النيابة العامة أهمية خاصة، حين شددت على أن القانون فوق الجميع وأن الدولة ماضية في تطبيقه دون تمييز. فترسيخ سيادة القانون لا يرتبط بقضية فرد أو شخص بعينه، وإنما يمثل ضمانة أساسية لاستقرار المجتمع وحماية الحقوق والحريات.
تبقى القضية الآن في يد جهات التحقيق والقضاء، وهما الجهتان الوحيدتان المخول لهما الفصل في صحة الاتهامات أو نفيها. أما على المستوى المجتمعي، فقد أعادت هذه الواقعة فتح نقاش ضروري حول الحدود الفاصلة بين العمل الخيري المشروع وبين توظيف النفوذ والمال في صناعة المكانة الاجتماعية، وحول أهمية أن تبقى الدولة ومؤسساتها هي الإطار الوحيد الذي يحتكم إليه الجميع.
وفي النهاية، فإن قوة الدول لا تقاس بحجم النفوذ الذي يمتلكه الأفراد، وإنما بقدرتها على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وبضمان أن تكون العدالة هي المعيار الذي يحتكم إليه المجتمع، بعيداً عن الشهرة أو المال أو النفوذ.