حملة عام الفيل: قراءة في الجغرافيا، السياسة، والذاكرة المشتركة – مقال تاريخي
حملة عام الفيل: قراءة في الجغرافيا، السياسة، والذاكرة المشتركة – مقال تاريخي
نزار الحاج علي
ففي الربع الأخير من القرن السادس الميلادي، وتحديداً قرابة عام 570م، شهدت الجغرافيا الحجازية الوعرة واحداً من أخطر المنعطفات العسكرية والسياسية في تاريخ العرب قبل الإسلام؛ وهو الحدث الذي عُرف تاريخياً بـ “حملة أصحاب الفيل”.
وبغض النظر عن الجدل اللغوي حول لفظة “الفيل” —إن كانت تعني الحيوان الضخم الذي أحدث صدمة نفسية وبصرية في وجدان الأعراب، أو كانت تعريباً لرتبة عسكرية حبشية رفيعة تشير إلى قائد المفرزة— فإن الثابت أن القوة الغازية كانت تستخدم تكتيكاً عسكرياً غير مألوف وهائلاً بمقاييس الحرب الصحراوية التقليدية.
وصلت الحملة العسكرية إلى وادي “المغمس” على مشارف مكة. لقد أخلت قريش والقبائل المحيلة مكة بالكامل، وصعدوا إلى رؤوس الجبال، و رغم أن قريشاً لم تقاتل، إلا أنها أثبتت دهاءً سياسياً واستراتيجياً نادراً في استغلال ما بعد المعركة.
لم يكتب القرشيون معلقات شعرية تفخر ببطولاتهم لأنهم لم يقاتلوا، لكنهم حوّلوا الحدث إلى رمزية مقدّسة. فأطلق العرب عليهم لقب أهل الله. مما حوّل مكة من مجرد قبيلة تجارية إلى سلطة دينية واقتصادية مركزية لا تُمس.
إن السؤال التقليدي حول سبب غياب الوثائق المكتوبة لهذه الحملة من قِبل القرشيين أنفسهم يغفل طبيعة ثقافة الكتابة في مكة آنذاك. فقريش كانت مجتمع تجار؛ والكتابة عندهم كانت أداة وظيفية لتسجيل الديون والمواثيق، ولم تكن أداة لتدوين السير وتأريخ الحروب.
لكن قريشاً وثقت الحدث بطريقة تضمن خلوده في مجتمع شفوي:فأصبح يقال “وُلد فلان عام الفيل”، و”خرجت القافلة بعد عام الفيل بسنتين”. هذا التوثيق التقويمي المشترك هو الذي حمى الحادثة من النسيان وجعلها حقيقة شاخصة وعياناً وتواتراً، حتى جاء القرآن الكريم بعد نحو أربعين عاماً ليخاطب مكة مستنداً إلى هذا اليقين المستقر في صدور رجالها الذين عاصروا أصحاب الفيل وهلاك أصحابه.
الاستنتاجات :
أولاً :قطعية الوقوع والمحلية: الحادثة وقعت على مشارف مكة بيقين تاريخي لا يقبل الشك؛ وصيغة القرآن الكريم المستنكرة (أَلَمْ تَرَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) في بيئة مكية معادية ومتربصة تثبت أن الحدث كان متواتراً ومستقراً في الذاكرة الحية لأهل مكة، وإلا لكانت ثغرة لتكذيب الدعوة.
ثانياً: برهان التصفير الزمني: اعتماد العرب لـ “عام الفيل” كبداية لتقويمهم الزمني هو أعلى درجات التوثيق المؤسسي لدى الشعوب الشفوية، وهو دليل قاطع على أن الحدث كان محلياً وهزّ وجدانهم، وليس صدى لحروب بعيدة في الشام أو فارس لا تمس حياتهم.
ثالثاً: حملة “عام الفيل” (حوالي 570م) المتزامنة مع ميلاد النبي ﷺ هي مفرزة عسكرية خاصة أو حملة تأديبية متأخرة، وهي منفصلة تماماً عن “حملة أبرهة الكبرى” المدونة في النقوش الصخرية (مثل نقش مريغان عام 552م) والتي لم تصل لمكة بل كانت موجهة لمناطق نجد ولم تذكر الفيل.
الخلاصة :
إن حملة عام الفيل تظل في القراءة التاريخية المنصفة نموذجاً لكيفية تفاعل الحدث العسكري الصادم مع الدهاء السياسي، وتوطئة تاريخية ومعنوية كبرى لتهيئة مكة لحدث أعظم غيّر مجرى التاريخ الإنساني برمته؛ ألا وهو ميلاد الرسول محمد ﷺ في ذات العام الذي انقشعت فيه غيوم الفيلة عن سماء مكة