حين تتحول الكهرباء من خدمة إلى أداة قهربقلم – أشرف الجبالي

لم تعد الأزمة مجرد تعريفة أو عداد كودي، بل أصبحت مسألة تتعلق بطبيعة السلطة وحدودها. ما نشهده اليوم يكشف عن خلل واضح في فهم دور الجهات الخدمية، حين تتحول من مقدّم خدمة إلى أداة ضغط على المواطنين. فالتصريحات التي تفيد باستخدام العدادات الكودية كوسيلة “للتهذيب” وإجبار الناس على التصالح، لا يمكن اعتبارها عابرة، بل تعكس توجهًا مقلقًا يخلط بين الخدمة والعقاب.
الكهرباء، وفق القانون، مرفق عام يُقدَّم مقابل تعريفة محددة، وليست وسيلة إكراه أو بديلًا عن جهات تنفيذ القانون. لكن ما يحدث يكشف عن انحراف في الاستخدام، حيث تحوّلت أدوات القياس إلى وسائل ضغط، وأصبحت الفاتورة عبئًا يتجاوز حدود الخدمة. الأخطر أن المواطن، الذي لجأ لحل قانوني، أصبح يُعامل وكأنه متهم، يُلزم بدفع ما لا يرتبط باستهلاكه، في مخالفة صريحة لمبدأ أن الأصل في الإنسان البراءة.
هذا التجاوز لا يمكن اعتباره خطأ عابرًا، بل مؤشر على خلل أعمق في إدارة المرافق العامة. فلا وزارة تملك أن تضع لنفسها نظام عقوبات موازٍ، ولا مسؤول يملك سلطة مطلقة خارج إطار القانون. ومع غياب المساءلة الحقيقية، وتراجع دور الرقابة، يشعر المواطن أنه يواجه هذا الواقع وحده، دون من يحاسِب أو يراجع.
وفي قلب كل ذلك، تبرز الحقيقة الأهم: المواطن لم يعد يحتمل. الضغوط المعيشية استنزفت قدرته، وسياسات الجباية المتتالية لم تترك في جيوبه ما يُحتمل أخذه. الخرق اتسع على الراقع، والناس وصلت إلى مرحلة إنهاك حقيقي… الناس بتموت، والضرب في الميت حرام.
الدولة القوية لا تستخدم احتياجات مواطنيها كوسيلة ضغط، بل تحميهم وتلتزم بالقانون قبل أن تطالبهم به. لذلك، لم يعد مقبولًا استمرار هذا النهج، وأصبح من الضروري التوقف فورًا عن أي سياسات تُحمّل المواطن ما لا طاقة له به، وإعادة الأمور إلى نصابها: خدمة تُقدَّم بعدالة، وسلطة تُمارس بمسؤولية.
الكاتب الصحفي أشرف الجبالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى