في ذكرى عيد الجلاء

وسط الدعاوى والمزاعم وحملات تشويه التاريخ.

ولأننا نؤمن أن التشخيص التاريخي السليم بالعودة للماضي وتحليله القويم هي البوصلة الحقيقية للمستقبل إن كنا لا زلنا نطمح في مستقبل.

يخرج البعض في الآونة الأخيرة زاعمين أن مصر الملكية قد نالت استقلالها بإعلان ٢٨ فبراير، مختزلين الحقيقة التاريخية أن تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ هو تصريح أعلنته بريطانيا من طرف واحد في لندن والقاهرة في هذا التاريخ. وقد أعلنت فيه إنهاء الحماية البريطانية على مصر، وأن مصر “دولة مستقلة ذات سيادة”، ولكن دعنا نرى تفاصيل هذه (اللكن).

احتفظت بريطانيا بحق تأمين مواصلات إمبراطوريتها في مصر، وحقها في الدفاع عنها ضد أي اعتداء أو تدخل أجنبي، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات فيها، وإبقاء الوضع في السودان على ما هو عليه. وتحولت السلطنة المصرية بناءً عليه إلى المملكة المصرية.

ليخرج البعض بعدها مروجين أن مصر قد نالت استقلالها الفعلي عام ١٩٣٦.

وبالعودة إلى معاهدة ١٩٣٦ بين مصر وبريطانيا، وهي ما سُميت (معاهدة الصداقة والتحالف)، والتي تم توقيعها في ٢٦ أغسطس ١٩٣٦ بقصر الزعفرانة. وقد نصت على إنهاء الاحتلال العسكري لمصر مع بقاء قوات بريطانية في منطقة قناة السويس، ومنح مصر استقلالاً مشروطاً، وقد وقعها رئيس الوزراء مصطفى النحاس ووزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن.

سحب القوات: جلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية، مع استثناء تمركزها في منطقة محددة حول قناة السويس لحمايتها بقوام يبلغ ١٠ آلاف جندي لم تلتزم بريطانيا قط بهذا العدد.

الدفاع المشترك: تتعهد بريطانيا بالدفاع عن مصر في حال تعرضها للعدوان، وتلتزم مصر بتقديم التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية في أوقات الحرب (مثل المطارات والموانئ والطرق).

الشؤون الخارجية: إلغاء منصب المندوب السامي البريطاني واستبداله بلقب “سفير”، وتتعهد مصر بعدم إبرام أي معاهدات تتعارض مع سياسة الإمبراطورية البريطانية.

إدارة السودان: عودة الإدارة المشتركة بين البلدين (الحكم الثنائي) كما كانت قبل مقتل السير لي ستاك عام ١٩٢٤.

الامتيازات الأجنبية: العمل على إلغاء الامتيازات الأجنبية تدريجياً.

مدة المعاهدة: ٢٠ عاماً، على أن يُعاد التفاوض بشأنها بعد مرور ١٠ سنوات بناءً على طلب أي من الطرفين.

أن تسمح بريطانيا للطيران المصري بالتحليق في الأجواء المصرية بالتنسيق مع القوات البريطانية في القناة.

تمت عودة القوات البريطانية للقاهرة، وكانت ثكناتها في العباسية في القاهرة ومصطفى كامل في الإسكندرية، مع انتشارها في الوادي عند اندلاع الحرب العالمية الثانية.

لم تلتزم بريطانيا أبداً بتسديد رسوم استخدام الطرق والمواصلات رغم مطالبات حكومات ما قبل الثورة، إلى أن تم استخدام هذه الديون في تسويات تعويضات تأميم القناة.

الجدير بالذكر أنه قد تم إلغاء هذه المعاهدة لاحقاً في ٨ أكتوبر ١٩٥١ على يد حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا.

تم إعلان الكفاح المسلح في القناة، وتم تدريب الفدائيين بعناصر من الضباط الأحرار، ما جعل وجود القاعدة وقواتها جحيماً للقوات البريطانية.

تحقق الجلاء في ١٨ يونيو ١٩٥٦ بناءً على اتفاقية الجلاء الموقعة في ١٩ أكتوبر عام ١٩٥٤.

وفي ذلك اليوم، غادر آخر جندي بريطاني قاعدة قناة السويس، وتم رفع العلم المصري خفاقاً لأول مرة فوق مبنى البحرية البريطانية في بورسعيد إيذاناً بسيادة مصر التامة، مكللاً كفاحاً قد دام أكثر من سبعين عاماً من أجل أن تستنشق مصر وشعبها نسيم الحرية بعد أكثر من ألفي عام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى