وجوهٌ باسرة.. ووجوهٌ مستبشرة
وجوهٌ باسرة.. ووجوهٌ مستبشرة
بوعون العيد – الجزائر
في مسرح الحياة الكبير، ليس هناك أبلغ من الوجوه؛ فهي الترجمان الصادق عن حقيقة الإنسان وما تخفيه سريرته، وتكشفه سيرته. إنها المرآة والسجنجل الذي يرى فيه المرء حقيقة ذاتيته، متأملاً غبار الأيام على زجاج وجهه المعاش، حيث تبرز دمامل النفس الخبيثة وما اجترحته، وتبدو بثور التلون؛ تلك التي لا تزيلها مساحيق التجميل، ولا تغير نظرتها أقنعة التصنع والممالأة والمداهنة.
فهذه هي النفس الباسرة التي تكشفت سوأتها، حيث تبدلت ملامحها، وانكفأ بريقها لينمَّ عن بؤس وهمٍّ وغمّ. ولأن الجزاء من جنس العمل, فإنه في بوطقة الكبر والتعالي والمكر ونصب حبال الشرك، تنصهر المبادئ السامية، وتذوب الحقوق في بقرة المحسوبية والرشوة؛ ولأن العرق دساس والطباع طباع سوء، فإن حلاوة اللسان تختفي وراء روغان الثعالب، وحينها فلا تنتظر خيراً؛ إذ ترقص على ظهور الأسود كلاب!
وفي دنياهم هذه، وهم يعدّون الكثرة، ويحسبون أنفسهم أصحاب الشأن والشأو والمقصد والملاذ، جعل منهم المتمسحون بالأذيال سادة وقادة؛ يهرولون لندائهم، ويرقلون السير في مخاطبتهم، ويصفقون لهم تمجيداً حتى على أخطائهم! تتبدل قراراتهم بين الفينة والفينة، ليس لشيء سوى أنهم يعدّون هؤلاء أصحاب نعمتهم وأولياء أمورهم، فيتمرغون في وحل سقطاتهم وقذارة فسادهم. وحين تسألهم، يقولون بلسان الحال -وقد تهدلت ملابسهم، واحقوقفت ظهورهم خضوعاً، وغارت أعينهم ذلاً ومهانة- قصة انكسارهم.
وفي المقابل، تبرز فئة قد تُعدُّ من المستضعفين، لكنها تحمل بين جوانحها همة النفس، وعلو المكانة، وصحوة الضمير؛ بل تحمل شجرة إنسانيتها الوارفة الوارقة، ذات الطلع النضيد، والصلب الحديد، والعيش المديد. وهي بذلك زاد البلاد والعباد. قد يراهم المارقون والمتزلفون أنهم خواء، ولا حول لهم ولا قوة، لكن نفوسهم الطيبة الأبية جعلت من محياهم وجوهاً مستبشرة، تفيض بنور الرضا وكرامة اليقين.
وتظل الوجوه هي المبتدأ والمنتهى؛ فبينما تتهاوى الوجوه الباسرة خلف أقنعتها المتآكلة، غارقة في وحل الزيف وصغار النفوس، تبقى الوجوه المستبشرة شامخة بكرامتها، ناصعة بيقينها، لتثبت للدنيا أن عِزّة النفس وطهارة الضمير هما الباقيان، وأن بهجة الروح الأصيلة لا تطمسها عوادي الأيام ولا غبار السنين.