وصية الثامنة والسبعين
وصية الثامنة والسبعين
مقال: بقلم سيد جعيتم
ما أصبو إليه أن تمر أيامي المتبقية بلطفٍ وسلام. لم أعد ذلك الشخص الذي يناكف الدنيا إذا ناكفته، فإذا سقطتُ فلا أملك رفاهية النهوض مرة أخرى. كل ما أتمناه الآن أن أظل منتصبًا، متماسكًا، في سكينة.
زالت عني رفاهية الجدل ومقارنة الحجة بالحجة، وتقف الكلمات في حلقي عاجزةً عن التعبير عمّا يدور في عقلي وما يجيش به صدري، فأواري عجزي خلف ابتسامةٍ تخفي عجزًا أكبر.
تمر أحداث أيامي، بحلوها ومرّها، أمام عيني. يصيبني الأرق ويعزّ عليّ النوم، وإذا نمت زارتني الأفكار التي صاحبتني طويلًا. أندم أحيانًا على تقصيري، فأشعر كأن الكون كله يجثم على صدري. وأراقب لحظة خروج الروح إلى بارئها، فإذا بقيت في صدري وانتظمت دقات قلبي، حمدت الله على ما أنعم به عليّ، واجتهدت أن أبدو طبيعيًا، رغم أن نفسي تتلقى في كثير من الأوقات كدمات الانهيار. فأقنعها بأن في داخلي جذوةً لم تنطفئ بعد، لأعود إلى مظهري المتماسك.
أشدّ أنواع الحنين وأصعبها هو الحنين إلى الماضي، إلى زمنٍ لا يمكن استعادته، إلى ضحكاتٍ خبت وغابت.
تقدّم العمر، وعدتُ أنا الذي كنت أمنح الآخرين الأمن والبسمة، أنتظر منهما. والاهتمام فعلٌ لا كلام، ومعناه لا تصنعه المجاملات مهما كثرت.
ستأتي سنواتي الثمانون بعد عامين، وأنتظر ما كتبه الله لي قبل أن يقف قطاري عند محطته. وهذه وصيتي أوصي بها أولادي:
تحابّوا بصدق، وكونوا طوّافين على بعضكم، وظلّوا يدًا واحدة، وعلّموا أولادكم الحب والخير والحلال. واجعلوا بينكم وبين الناس جسرًا من المودّة والتواصل، وليكن إيمانكم هو دليلكم.
صونوا سيدات الأسرة وبناتها، فهنّ مسؤوليتكم، وكل واحدة منهنّ جوهرةٌ تُصان وتاجٌ يزين رؤوسكم.
وعندما تصعد روحي إلى بارئها، لفّوني في كفنٍ شرعي، وادفنوني في صمت، مع تلاوة ما تيسّر من آيات القرآن الكريم. لا أريد سرادق عزاء، وليكن العزاء عند المقابر.