حين يُرمى الإحسان بحجر النكران – خاطرة
حين يُرمى الإحسان بحجر النكران
الأستاذ بوعون العيد
على مفارق الحياة يقف متهلّلاً؛ يرمق الرّائح والجائي، ويتشوّف حال كل عابر. يكفكف الدّمع ويواسي المحزون والمكلوم، ويربّت على كتفي من عظّه الزّمان بناب، أو عاد عليه الزّمن بكلكله، ومن فقد الأمان وامتعض سوء المنقلب، وكثير ممن مسّهم ضرّ محن الحياة وعوائد الأيام المثقلة بالأرزاء.
هو يحمل رسالة: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. وأن اليد التي تمتد إحساناً لا يمكن عضّها، وأن الجسر الذي عبرت عليه ذات يوم لا يمكن هدمه؛ لأنك ستحتاجه عند العودة، وأنّ صنائع المعروف تقي مصارع السّوء، وأن من كان في عون أخيه كان الله في عونه، وأن يكون كالنّخل يُرمى بالحجر فيعطي أطيب الثّمر.
وحين يبلغ الحلم مداه، ويشتد عود هذا وذاك، ويسمق نخل حياتهم ويستمرئون بهجة الحال، يكشّر عن أنياب الغدر، ويشحذ سكين المروق؛ ليفتلذ فلذة من أوصال ذاك الذي حماه وحباه ذات يوم! هنا تتكشف الأسارير وتتّضح السّير، ويخرج الإنسان الحقيقي من الإنسان المحبوس في سراديب الملق والتّزلف وما ضمره في دواخل نفسه، التي انبرت على حقد دفين هو وليد إرث لم تخبُ جذوته، بل ما زالت مستعرة تحت رماد الكراهية؛ منتظرة هبّة ريح نقد أو توجيه، لتستعر وتنشب لهيبها في كلّ حدب وصوب! يشتكي ويتشاكى، ويبكي ويتباكى، ويقدم الأعذار والمبررات؛ لأجل…؟
هنا ندرك أنّ للمعادن الأصيلة نفاستها، وبريقها، ونضارتها وإن دُفنت تحت أطباق الثّرى لردح من الزمن، ودونها نسياً منسياً.
فيا أهل العقول والنهى، كونوا أحياء حيّيّن لا متكبرين نكّارين، واعلموا أن من كان معك هو أخوك الحق، وكثيراً ما يضرّ نفسه لينفعك، لكن سجية هؤلاء مفطورة على غرائز ناقصة تشربوها منذ الصغر، ومصداق ذلك في محكم التنزيل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
وحسبُ أهل الفضل أن يظلوا كالشجر المثمر؛ لا يضيرهم عقوق الأرض ما دام غرسهم لله، فالمعروف لا يضيع وصنائع الخير باقية، ولن يصحّ في النهاية إلا صحيح المعدن.