وقفة على حافة الرحيل – خاطرة
وقفة على حافة الرحيل – خاطرة
بوعون العيد – الجزائر
في برهة الأحداث جلست على حافة الفراق، أستعيد ذكريات كُتِبت على جدران الأيام الخوالي؛ حيث كانت البدايات مشرقة، والآمال واعدة، وطيف الشباب يبدد وحشة كلّ عويص. ومن طلاقة المُحيّا، وامتشاق القدّ، وملاحة التراسيم، كان الطموح عالياً؛ يرفرف بجناحي التميز والإبداع، وخَلْق بيئة تتناغم فيها التحديات والواجبات. ومن سلّم الجدية نبني جامعة الأثر الطيب، ومن على سلّم الحكامة كان الصعود إلى القمة متميزاً؛ حيث أشرقت شمس المعرفة من وراء جبل النسيان، واخضرّ شجر ذاك المكان بعد يُبْس، واكتست الأرض الجُرُز بساطاً مزداناً يحكي وجه الطبيعة في ربيعها الأخضر.
وها هي البدايات تربت على كتف النهايات مرددة: تلك أيام خلت طواها الزمن، وأسدل ستار الكهولة على الشباب؛ حيث أصبح الوجه بعد نضارة تجاعيد تروي ذاك العهد الذهبيّ الذي يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه، وحيث دبّت الشعرة البيضاء في الرأس وسنحت في باديته، وحوّلت سواده بياضاً وغطّت الفَوْد.
وحين أعدت النظر في الخوالي، أدركت أنني أعيش على وقع الأمنيات، وأن رحلتي من على قطار رسالتي سلبت مني عقداً فريداً؛ كنت أُمنّي النفس بالآمال أرقبها، لكنّ دقات قلب المرء قائلة: إنّ الحياة دقائق وثوان…
وحين أزمعت الرحيل، تذكرت قول رسول الله ﷺ وهو يخاطب أبا ذرّ؛ حيث قال النبيّ ﷺ لأبي ذرّ الغفاريّ:
“يا أبا ذرّ! أحكِم السفينة فإنّ البحر عميق، واستكثر الزاد فإنّ السفر طويل، وخفف ظهرك فإنّ العقبة كؤود، وأخلص العمل فإنّ الناقد بصير”.
واليوم، وأنا أقف على هذه الحافة، لا أقول وداعاً للرسالة، بل أستودعُ الأماكن نَبْضَ السنين، وأترك للراحلين والآتين عطرَ الأثر الطيب. فالقطار قد يغير محطاته، والشباب قد يطوي أشرعته، لكنّ البذور التي سقيناها بصدق ستظل تُزهر ربيعاً متجدداً، يروي للزمن أننا مَررنا من هنا… وكَفَى.