أغسطس، وما أدراك ما أغسطس!
أغسطس، وما أدراك ما أغسطس!
يسري ربيع داود
أنا أعرف أن الحوادث ليست اختراعًا مصريًّا، وأن الدنيا كلها تشهد كوارث وحرائق وجرائم وأخطاء.
لكن السؤال: هل كان لا بد أن ينزل علينا كل هذا في أسبوع واحد؟!
منذ بداية الأسبوع، وكل يوم يحمل خبرًا أشد سوادًا من سابقه، حتى تشعر أن أحدهم قرر أن يضعنا تحت نظام الضغط المتواصل!
تفتح فيسبوك صباحًا كعادتك، لتعرف ماذا يحدث في الدنيا، فتجد الدنيا قد قررت أن تلعب في مصر بلا رحمة!
18 عاملًا لقوا مصرعهم، وأصيب 32 آخرون في حادث مأساوي بالإسماعيلية.
ومن بينهم ستة أشقاء من أسرة واحدة!
كارثة تقطع القلب، ولا تملك أمامها إلا أن تقول:
رحم الله الضحايا، وصبّر أهلهم، وشفى المصابين.
ولم نكد نستوعب الخبر حتى نجد حريقًا كبيرًا في حدائق الأهرام، ومولات ومبانٍ تشتعل، وعمليات بحث عن مفقودين، وأجهزة الإنقاذ في سباق مع النار.
وكأن أغسطس يقول لنا:
“لم يحن وقت الراحة بعد… أنا ما زلت في البداية!”
ثم نذهب إلى محافظة البحيرة، فنجد طفلًا يموت على يد عمه وعمته تحت مسمى “التأديب”.
تأديب ماذا الذي تكون نهايته الموت؟!
حين تخرج الرحمة من البيت، يصبح العنف هو اللغة الوحيدة.
ثم نذهب إلى العاشر من رمضان:
طفل اسمه «مالك» يُختطف من أمام أحد المحال، لا طلبًا لفدية، ولا في جريمة تقليدية، وإنما لإجباره على التسول!
أم تصرخ وتستغيث، ووزير الداخلية يتحرك، والطفل يعود إلى أهله خلال ساعات، ويتم ضبط المتهم.
في ست ساعات فقط!
وهنا نقولها بصوت السادات:
رجعه في ست ساعات!
ثم نذهب إلى التجمع:
أسرة كاملة تُقتل، وبيت كان بالأمس عامرًا بالحياة يتحول فجأة إلى مسرح لجريمة، والمتهم يواجه اتهامات ثقيلة بالقتل والسرقة والسلاح والذخيرة.
هل يهدأ أغسطس بعد كل هذا؟
طبعًا لا!
شركات المحمول تدخل المشهد!
خطوط هاتف تُسجل بأسماء مواطنين من دون علمهم، ومحافظ إلكترونية تظهر فجأة، ومحاضر تُحرر من مواطنين اكتشفوا أن هناك أشياء تُفعل بأسمائهم وهم لا يعلمون عنها شيئًا.
بل إن فتاة صيدلانية تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها مديرة لشركة أدوية، ولديها محافظ مالية مسجلة باسمها!
يا ست مصر…
كيف تفعلينها بنا؟!
أصبح المواطن من الممكن أن ينام مواطنًا عاديًّا، ويستيقظ ليكتشف أنه:
صاحب خطوط هاتف لا يعرفها.
وصاحب حسابات لم يفتحها.
ومدير شركة لم يسمع عنها.
وربما أصبح مليونيرًا…
وهو آخر من يعلم!
ولم يبقَ إلا أن يستيقظ صباحًا فيكتشف أن عليه قرضًا، وأنه متزوج، ولديه طفلان في المدرسة…
وهو آخر من يعرف!
ثم يأتي الطقس ليكمل المهمة.
حرارة تصل إلى 42 درجة، ورطوبة خانقة، وكأن الشمس نفسها قررت أن تقول:
“أنا أيضًا أريد أن أشارك في هذا المزاج!”
وأنا أصلًا أعرف يوليو وأغسطس ورخامتهما، وقد حذرت منهما!
لكن بعد كل هذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
ماذا يحدث اليوم يا مصر؟
بل:
كيف وصلنا إلى هذا؟!
فالموضوع ليس حادثة هنا أو جريمة هناك.
كل واقعة لها أسبابها، وكل خطأ له مسؤول، وكل مسؤول عن تقصير يجب أن يُحاسب.
لكن عندما تكبر الصورة بهذا الشكل، علينا أن ننظر إلى أصل المشكلة:
المسؤولية التي تتآكل بهدوء.
مسؤولية ضابط يسمح بمرور المخالفات مقابل بضعة جنيهات.
ومسؤولية المرور حين تُترك سيارات غير مؤهلة لنقل البشر، محملة بشباب وأطفال، وكأن أرواح الناس أصبحت حمولة زائدة! استبدلوا البقر ووضعوا مكانه البشر فماتوا في غمضة عين!
ومسؤولية كل من يرى الخطأ ويقول: “دعها تمر.”
زمان كانت هناك كلمة اسمها: “عيب.”
وقبل القانون كان هناك ضمير. كان هناك أهل، وكبير، وجار يخاف عليك، وإنسان يخشى أن يفعل شيئًا لأنه يعلم أنه خطأ، حتى لو لم يره أحد.
أما الآن فقد أصبح لدينا شعار أخطر:
“لا أحد سينتبه.” وهذه الجملة أخطر من كثير من القوانين؛ لأن القانون قد يغيب، أما الضمير فلا ينبغي أن يغيب.
حين يُعذَّب طفل ويقال إن ذلك “تأديب”، فهذه ليست مشكلة تربية فقط. إنها مشكلة رحمة.
وحين يهمل موظف في عمله ثم يقول: “لقد فعلت ما عليَّ.”
فهذه ليست مشكلة موظف واحد. إنها مشكلة ثقافة.
وحين تصبح بيانات الناس لعبة في يد من لا يحترمها، فهذه ليست مجرد مخالفة إدارية. فإنها مشكلة احترام للإنسان.
والمشكلة الأخطر أننا بدأنا نتعود؛ نقرأ خبر وفاة، ثم نواصل التصفح. نسمع عن كارثة، فنقول: “رحمهم الله”، ثم نكمل يومنا. نقرأ عن حريق فنقول: “يا ساتر”، ثم ننتقل إلى الخبر التالي.
لقد أصبحت المأساة نفسها خبرًا عاديًّا.
وهذا أخطر من المأساة ذاتها. أصبح التبلد شعورًا عامًا.
الخطر الحقيقي ليس أن تقع جريمة. الخطر أن تصبح الجريمة أمرًا طبيعيًّا. ليس أن يسقط عقار. بل ألا نسأل: لماذا سقط؟ ومن المسؤول؟ ليس أن يتعرض طفل للأذى. بل أن نغضب دقيقة، ثم ننسى. وليس أن تخطئ شركة. بل أن يعتاد المواطن أن عليه أن يراجع نفسه كل صباح ليتأكد مما فُعل باسمه!
يا ست مصر: المشكلة ليست أن هناك أناسًا يخطئون. فالناس تخطئ، والمؤسسات قد تخطئ، والحوادث ستقع. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطأ أسلوبًا، والإهمال عادة، والمحاسبة استثناء، والضمير اختيارًا.
ثم ينتهي الأمر بمصمصة شفاه..وخلص الكلام!
نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن القوة ليست في قدرتك على إيذاء من هو أضعف منك.
وأن نعلّم الموظف أن العمل ليس توقيعًا وانصرافًا. وأن نعلّم المسؤول أن الكرسي ليس وجاهة. وأن نعلّم صاحب العمل أن العامل ليس رقمًا. وأن نعلّم الشركات أن بيانات الناس ليست غنيمة. وأن نعلّم أنفسنا، قبل كل هؤلاء، أن الإنسان له حرمة وحق وكرامة. فالبلد لا تنهار مرة واحدة. البلد قد تنهار حتة حتة. ولنا في الأندلس المثل حينما انهارت بعد سلسلة من التنازلات.
إهمال هنا، ورشوة هناك، وسكوت في مكان.
وتجاوز في مكان آخر، وقسوة داخل بيت، ومجرم نراه ونتجاهله، ومسؤول يعلم ولا يتحرك، وموظف مرتشٍ يسمح لهذا أن يبني لأنه دفع، ويسمح لذاك أن يحتل الطريق لأنه دفع، ثم نستيقظ يومًا فنجد من كان بالأمس معدوم الضمير قد أصبح مليونيرًا!
ومواطن يرى كل ذلك ويقول: “وأنا مالي؟!”
ثم نصحو يومًا ونسأل: “ماذا حدث لنا؟!”
والحقيقة أن ما حدث لنا لم يحدث في يوم واحد. نحن تركناه يحدث كل يوم.
أما الحر ودرجة الـ42، فهذه قصة أخرى.
حتى الشمس نفسها يبدو أنها فقدت أعصابها وقالت: ” أنا لا علاقة لي بالأمر… أنا أيضًا تعبت!”
ربنا يحفظ مصر وأهلها، ويرحم من رحلوا، ويشفي المصابين، ويرد كل طفل وكل غائب إلى أهله سالمًا.
وربنا يصلح حالنا قبل أن نظل نبحث عن إصلاح الحيطان، وننسى أن الحيطان في النهاية يبنيها ناس، ويحميها ناس، ويعيش داخلها ناس، وحين تقع، فإنها تقع على ناس!
(لكن خلاص… الجو حر… ومش ناقصة فرهدة)