مدينة العدالة

سمعت بالأمس من خلال الإذاعة عن إقامة مدينة العدالة، ولأول وهلة شعرت بالارتياح للخبر؛ فإقامة مثل هذه المدينة تعزز من مكانة القضاء، وتعطي انطباعًا لدى الجميع بأن مصر تولي اهتمامًا كبيرًا بالعدالة ومؤسساتها.

لكن بعد فترة من دوران الفكرة في أم رأسي… تعجبت!

لماذا يا تُرى هذه الحيرة التي وقعت فيها؟

قلت لنفسي: إن كانت مدينة العدالة ستقام في العاصمة الإدارية، ألا يعني ذلك مزيدًا من المشقة على الجميع؛ قضاةً ومحامين ومواطنين؟

فالمسافة والمواصلات والوقت كلها أعباء إضافية، وفي النهاية هناك تكلفة يتحملها المواطن، وهو أصلًا يتحمل من التكاليف ما يكفيه وزيادة.

أعطيكم فكرة مطبقة في المملكة العربية السعودية. هناك يتم التقاضي عبر الأونلاين. الكل يقدم مستنداته، ويتم الاستماع إليه عبر الشبكة، ويتم الحكم وأنت في بيتك بلا مشقة.

الموضوع لا يحتاج إلى مدن؛ الموضوع يحتاج إلى أفكار تيسر على المواطن، لا أن تزيد أعباءه.

بعدها… جاءتني فكرة أخرى، أكثر إزعاجًا.

ماذا عن العدالة خارج مدينة العدالة؟

أنا لست ملمًّا بكل الملفات والقضايا التي تؤرق أكثر من مائة مليون مواطن، ولذلك لن أتحدث إلا عما أثارني فعلًا أو يهم شريحة أتواجد فيها آنفًا إذا أحياني الله.

كيف لمعلم أفنى قرابة أربعين عامًا من عمره في التعليم، واستُقطع من راتبه الكثير شهريًّا طوال سنوات خدمته، ثم يصل إلى سن المعاش ليجد نفسه أمام معاش قد لا يكفيه لتدبير أبسط احتياجاته؟

وأضع مبلغ خمسة آلاف جنيه على سبيل التقريب، فقد يكون أقل من ذلك أو أكثر، لكن القضية ليست في الرقم وحده. القضية في إنسان قضى عمره في العمل، ثم وصل إلى نهاية الرحلة وهو يحمل معه أمراض العمر والضغوط؛ ضغط الدم، والسكر، وأمراض القلب وغيرها، فضلًا عن متطلبات الحياة التي لم تعد ترحم أحدًا.

فأي عدل هذا؟

هل يُعقل أن يكون الإنسان قد دفع من راتبه طوال أربعين عامًا، ثم حين يحتاج إلى ما دفعه يجد نفسه عاجزًا عن أن يعيش حياة كريمة؟

أنا لا أعترض على إقامة مدينة للعدالة، بل أتمنى أن تكون مصر كلها مدينة للعدالة.

فالقضاء العادل مهم، والمحاكم الحديثة مهمة، وسرعة الفصل في القضايا مهمة، وهيبة القضاء ومكانته لا غنى عنها.

لكن العدالة ليست فقط قاعة محكمة، ولا مبنى فخمًا، ولا طريقًا يؤدي إلى العاصمة الإدارية. فكلها أمور لا تهم الرجل المسن؛ لأنه ببساطة وصل إلى مرحلة الراحة؛ وقد تصبح راحة للأبد.

العدالة أن يجد المعلم الذي أفنى عمره في تعليم أبنائنا معاشًا يحفظ كرامته.

والعدالة أن يجد المريض علاجًا يستطيع تحمّل تكلفته. ونرى المريض المحال للمعاش يتسول علاجه في مستشفيات تبعد عنه مسافات تعتبر رخصة للصائم حتى يفطر، فما بالك بمريض قد أُحيل إلى المعاش؟

الرحمة يا جماعة الخير بمثل هؤلاء.

نحن أحوج إلى أن تمتد العدالة من أبواب المدينة إلى كل بيت في مصر. عدالة يشعر بها المواطن خلال سنوات حياته على أرض المحروسة، ليس فقط أن يشاهد مبانيَ فخمة؛ فالمباني في حد ذاتها لا تقيم عدلًا!

إلى المسؤولين عن مصر في بر مصر كلاته (بالصعيدي):
اتركوا البذخ؛ الناس تحتاج إلى كل قرش من هذه المليارات المهدرة، ويكفي غرفة مكيفة، على مساحة عشرين مترًا مربعًا ليجلس فيها القاضي وأمامه شاشة كمبيوتر، ويتم التقاضي عبر الإنترنت، ويكون هناك إنجاز في العمل.

وفق هذه الفكرة نكون وفرنا الكثير من النفقات المهدرة. وأكثر من ذاك فإننا نيسر على المواطن الذي (يسف) التراب صباح مساء، ويخرج لسانه من الجري في جميع الاتجاهات… وليته يلحق!!

الأمور سهلة… لا تصعبوها أكثر من صعوبتها القائمة.

مش كده ولا إيه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى