” ربع ساعة فقط “- قصة قصيرة

أنا مريض..
هكذا قالها.
لم يكن يعلنني بمرضه لكي أزوره. ولا لاستمالة القلوب إليه. كما لم يقل عبارته المقتضبة هذه تسوّلًا لتعاطف الناس أو جذبًا للاهتمام.. لكن قالها وتركني في حيرتي أبعث في صمت عمّا وراءه.
هو رجل سبعيني, غير أن في عينيه بريقًا يدعو للعجب, مستقيم الظهر, طَلِقَ اللسان, بوجهه وسامة لا تعترف بالعُمر.
ألقيت نظرة فاحصة مبدئية عليه, ثم قلت في تردد:
-ألف سلامة عليك, لعله خير.
ضحك الشيخ, وقال:
-فهمتني بالغلط, لا علة جسدية بي ثم قبّل يديه وش وظهر على عادة الطيبين, ثم أكمل:

غير أن القلب لا يزال يشتعل نارًا, لا زلت كلما التقيتها؛ أمارس نفس أفعال الهوى, نفس اللهفة. أتعرف أني أراها ربع ساعة أسبوعيًا, لم أتخلف عنها. لم تغب هي إلّا لطارئ, عندما لا نلتقي؛ أكاد أجنّ. أنطلق في شوارع المدينة هائمًا أرجو من السماء وقتها أن تلهمني الصبر.
بالأمس موعدها. لم تأتِ, فغبت عن الوجود كما ذكرت لك, اشتريت لها قبل اللقاء وردة حمراء؛ فلما لم تأتِ ألقيت الوردة في بحر يوسف, خاطبت البحر وقلت:
يلقي القوم فيك بزبالتهم وأوساخهم, ها أنا على خلاف الناس, أرمي فيك بعض منّي, فخذها ولا تخف. لكن رجاء لا تقذفها إلى الشاطئ إلّا لمن تستحقها. عاهدني على ذلك.. أظن أن الموج اضطرب بشدة ثم سكن, كأنما هي رسالة ناطقة بعث بها إليّ.
ظننت أنني وحدي أناجي البحر, لم ألتفت إلى شيخ يجلس غير بعيد, يرقبني وفي عينيه حيرة وريبة, حينما انتبهت إليه, ألقيت عليه السلام, رد قائلًا وهو ينظر لي في حذر:
-وعليكم السلام. يا سيدي, ربنا يصلح الأحوال.
تركت المكان والرجل وهمتُ في شوارع المدينة, تسوقني قدماي, من شارع الحرية. البوسطة. المحمدية. بطل السلام. ثم تقهقر للعودة من مصطفى كامل ولأغلق الدائرة بشارع الحرية من جهة القنطرة. دورة ثم ثانية ثم ما لا أعرف من العد والحساب.
هذه المرة وفي طريق عودتي؛ نظرت لصورتي المنعكسة على زجاج السيارات الواقفة على يميني. على واجهات المحلّات التجارية, في أعين الصبايا. أزعجني أنني شيخ كبير يقترب حثيثًا من السبعين, فما بالي هكذا؟ كيف أبرأ من علّتي هذه؟
ثم نظر إليّ ينتظر ردّ فعلي على حديثه. قلت كلمة واحدة لم أجد غيرها من الغيرة والحسد والدهشة:
-يا بختك.
التفتّ إليّ وباستهجان قال:
-يا بختك؟ أتسخر منّي؟
قلت:
معاذ الله, لكنه الشباب يفور بداخلك حتى أن تنّور نوح عليه السلام هو لعبة جوار ما يعتمل بأعماقك. ثم أمسكت بيديه, قلت وأنا أنظر في عينيه:

ستظل شابًا يعاند الزمن ما دمت قادرًا على الحب.
ما دمت محافظًا على الوعد والموعد.
ستصبح هائمًا على وجهك. غائبًا عن الوجود إن لم تأتِ هي إليك.
ثم نظرتُ في عينيه وهمست:
-ستزحف الشيخوخة إلى أعماقك حينما تتساوى كل الأمور في عينيك, الحب. الكراهية. الجمال. القبح. الحضور. الغياب.
حتى أن نبأ وفاة أحد زملاء المقهى لن يثير فيك أي شيء, ستمصمص شفتيك ولا يعنيك وقتها الّا إجهاد مشوار العزاء إلى السرادق إن كان بعيدًا عنك.. هذه لحظة موت المشاعر الحقّة.
ثم قمت إليه, أخذت رأسه بين يديّ, قبلّتها, قلت:
-طوبى لأمثالك. لن تقوم الساعة إّلا بعد أن تخلو الأرض منكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى