ابتسامة صفراء – قصة قصيرة


دخل إلى البرج الذي يسكن فيه، فلاحظ وجود عامل ملابسه متسخة يرتقي درجات السلم، نظر إليه باشمئزاز، وقال بصوت عالٍ: “يا عم أمين، لماذا يدخل هذا العامل بملابسه البالية إلى هذا البرج؟”.
أجابه البواب:
يا أستاذ عوض، إنه الأسطى فتحي، يعمل في التبريد والتكييف، وهناك عطلٌ جاء ليصلحه.
تمام، لكن ينبغي عليك أن تتابعه.. أحسنتَ حين تركته يصعد السلم.
يا أستاذ عوض، أنا عرضتُ عليه استخدام المصعد لكنه رفض.
هذا يكفي، لا يجب أن يستخدم أمثال هؤلاء المصعد.
يا أستاذ عوض، صاحب الشقة يريد الإيجار الشهري.
ابتسم له عوض وقال: غداً بإذن الله ستصلني حوالة من أمريكا، و سأعطيك إيجار سنة كاملة.
ثم همس قائلاً في نفسه: “يا لك من غبي، يريد الإيجار!”.
انتظر قليلاً حتى هبط المصعد للطابق الأرضي، خرج منه جاره المستشار، فطأطأ عوض رأسه ثم نظر إليه و ابتسم ابتسامة صفراء: صباح الخير يا سيادة المستشار، ما أخبار معاليك؟
نظر إليه المستشار ولم يرد، ثم انصرف في اتجاه الباب، فسار عوض خلفه مناديا: معالي الباشا، هل يمكنني أن أطلب من حضرتك طلباً؟

مَن أنت؟

أنا جارك الجديد، الأستاذ عوض.

استأذنك يا أستاذ عوض فأنا متأخر عن عملي.
تركه المستشار وانصرف، لكن عوض مشى خلفه علّه يسمعه ويقضي له حاجته ، يا سيادة المستشار، مجرد طلب بسيط!
لم يعره المستشار اهتماماً، ركب سيارته وانصرف. عاد عوض إلى البرج وعلامات الخجل والارتباك تكسو وجهه.
فقال: يا عم أمين، هذا المستشار رجل محترم وهو جار أقاربي في البلد، ألم تشاهد كيف رحب بي؟

بلى شاهدت.
هز عم أمين رأسه وابتسم، وقال في نفسه: “يا لك من منافق!”.
دخل الأستاذ عوض المصعد ونظر إلى نفسه في المرآة، أعجبه شكله و هندامه، مشط شعره، وقبل أن يضغط على زر الدور الثامن، دخلت المصعد امرأة ، فسألته ما الذي أتى بك إلى هنا؟
أهلاً بحضرتك أستاذتنا الغالية، المحامية هند.
لا أهلاً ولا سهلاً ولا مرحباً بالنصابين في هذا البرج!
ابتسم لها ابتسامة صفراء وقال: الحمد لله، لا يوجد نصابون هنا.

اصمت ولا تتحدث نهائياً.

حاضر، أعلم أن مزاجكِ سيئ اليوم.
نظرت إليه ببغض. وقبل أن يغلق الباب، دخلت نرمين، الطالبة بالصف الثالث الثانوي. بمجرد أن وجدته، التصقت بالمحامية ونظرت إليه بكره وخوف شديد. لاحظت المحامية نظراتها، فأيقنت أنه سيء الخلق.
أُغلق الباب وتحرك المصعد للأعلى. وقبل أن تخرج المحامية، أعطت الفتاة بطاقة بها رقمها وقالت لها: “أنا تحت أمرك في أي وقت، يمكنك الاتصال بي”. شكرتها الفتاة ونزلت في الطابق الذي يليه. نظر الأستاذ عوض للمرآة وبدأ يعدل من هيئته، وفجأة توقف المصعد وانطفأ النور.
في الناحية الأخرى على السلم، كان “عم فتحي” قد قابل الكثيرين؛ بائع اللبن، محصل الغاز، وعم عمر السباك، والأستاذ معتز، فابتسم لهم جميعاً وحياهم. وصل للطابق الثامن ثم رن الجرس، فتحت له الزوجة ورحبت به: تفضل، الثلاجة في المطبخ، يبدو أن بها عطلاً.
لا داعي للقلق، فكل شيء سيصبح بخير.
بعد مدة، رن جرس الباب، ففتحت الزوجة، وكان العائد هو عوض (بعد عودة الكهرباء).
-هل يوجد أحد هنا؟

نعم، إنه عم فتحي.

و لمَ عم فتحي هنا؟

الثلاجة بها عطل.

يا ربي! ليس معي مال كي أدفع أجرته، يجب علي أن أنصرف، وأنتِ اتصلي بعم أمين كي يدفع لنا حساب عم فتحي.
سمع عم فتحي الحوار بينهما، فخرج من المطبخ وقال: “إنه عطل بسيط تم إصلاحه، ونظراً لأنكم سكان جدد، فالإصلاح هذه المرة مجاني”.
رفع الأستاذ عوض رأسه و ابتسم ابتسامته الصفراء المعهودة، وقال: “شكراً لك، مع السلامة، لكن تذكر.. لا تستخدم المصعد، انزل من على السلم”.
ابتسم له عم فتحي ابتسامة صفراء هو الآخر، وقال: “لا حول ولا قوة إلا بالله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى