حروف خشنة – قصة قصيرة

الساعة الثانية بعد منتصف الليل. الجو قائظ والصمت يكاد يطبق على كل الوجود. النهار موحش، والليل سرمدي طويل، نام شادي منذ ساعة تقريبا، وها أنا أجلس وحدي في غرفتنا، أضع صورتك أمامي، وأناجيك حبيبي من خلال سطوري.. أوحشتني!
خلعت جلبابي، ارتديت قميصي الشفيف بلون التوت الأحمر، ووضعت قرطي الذهبي ذا الفص الأرجواني الصغير، أي عطر تريد؟ شانيل شانس أم لانكوم لا في؟ أنت من تختار اليوم. أراك تبتسم وأنت تنظر إلى بلاك سان لوران..فليكن ما تريد، يبدو أنك تنوي ارتشافي على مهل، ببطء، ودون رحمة!
حبيبي أريد أن نتكلم أولا.
ابننا غريب الأطوار يا رؤوف. لقد نام منذ ساعة تقريبا، لا يكاد يعود من المدرسة حتى أراه منكفئا على الكتب داخل مكتبتك. شادي قاريء نهوم بشكل غريب؛ يقرأ بالساعات. هل تذكر حين كنت تشفق على كتبك من الوحدة لو تركتها وذهبت؟ صدقني ولكن الكتب تأنس به أكثر مني. المفروض أن أفرح ولكن لا تنس أن عمره لم يتجاوز العشر سنوات! أصابته حرارة منذ مدة، وضعت الكمادات الباردة على جبهته، وأردت أن أسليه فقصصت له قصة الأرنب والسلحفاة. لما خفت حرارته في اليوم التالي قال إن الأرنب كان خاطئا، وأنه كان يجب أن يقتل السلحفاة قبل أن تحاول الوصول في السباق.
هل تدرك حجم المصيبة؟
كم احتجت إليك وقتها. لا أدري. يبدو أنني قصصتها عليه بأسلوب خاطيء، أخبرته أن الهدف من القصة هو ألا تستهين بأحد، وأن دوام السعي يصل بك في النهاية، لكنه أجابني بأن السلحفاة قد استغلت قلب الأرنب البريء، وأنها من أوهمته ببطئها، فنام عنها حتى سبقته، وأنه ما كان ليسمح لها أن تشاركه السباق من البداية!
هل هذا طبيعي؟
ثم جاءني يوما وسألني عن يوليوس قيصر وبروتس. قال إن حب يوليوس لصديقه كان سبب موته، وأنه كان يجب عليه أن يفطن إلى أنه ليس ثمة أمان في هذا العالم. سألني عن قتلة عثمان، وقال إنه أعطى لهم الأمان حتى وصلوا إليه، وأنه كان عليه أن يقتلهم قبل أن يقتلوه. أتدري؟ وجدته يمسك كتابا عليه صورة رجل بحاجبين كثيفين وشارب كث، رأيته يرفع الكتاب عاليا وهو يقرأ، بينما يده الأخرى ممدودة في الهواء. كلمني في اليوم التالي عن نيتشة الألماني، وتكلم عن هتلر بطريقة غريبة، ممزوجة بالإعجاب والأسى.
لست أدري ولكن شعرت أن مكتبتك صارت خطرا على شادي يا رؤوف!
دخلت غرفة مكتبك الخاصة. نظرت إلى مكتبتك. رفوف الكتب. لطالما أخبرتني أنها أنيستك وأنهم أصدقاؤك. قلت إنها علمتك أن على الإنسان أن يتفهم، وأن العفو فضيلة، وأن المسامحة هي من أبقت جنس البشر حتى أيامنا. فكيف وصل شادي إلى هذا الفكر العجيب؟ الكتب نفسها، وكلاكما قارئان، فكيف شكلت قلبك اللين المحب، بينما تكاد تشكل من قلبه صخرة جافة صماء؟ أظن أن المشكلة في عمره. هو صغير على هذه الكتب. ليس لعقله أن يستوعبها بعد.
حاول شادي أن يدخل إلى مكتبك فوجدها مقفولة. سألني وأخبرته أني أوصدتها بالمفتاح، وأنه ليس مسموحا له أن يقرأ في كتبك قبل سن السادسة عشرة، أو الرابعة عشرة على أقل تقدير. طلبت منه أن يعيش مثل الأطفال. أن يقرأ قصصا مصورة جميلة، مليئة بالألوان والزهور. سألته: هل تعرف قصة أليس في بلاد العجائب؟
أشاح بوجهه ودخل غرفته وتمتم: أنت لا تفهمين!
تخاصمنا فترة. لم ألن له ولم أسمح له بدخول مكتبتك. سامحني يا رؤوف ولكن يبدو أنني سأضطر إلى بيع الكتب. صار ابنك غريب الأطوار بسببها، ولا أريد أن أخسره. أفكاره غريبة. كأنه يتشكل إلى مجرم!
كبر شادي كثيرا عن آخر مرة رأيته أنت فيها بالمناسبة. كان عمره خمس سنوات حين ذهبت وتركتنا. قسماته دقيقة ومنمقة، وشعره ناعم ينسدل على جبهته. يشبهني كثيرا، وإن ظل حجمه صغيرا بالمقارنة بأقرانه. يدعوه زملاؤه أوليفر تويست، أخبره أن عليه أن يشكر ربه على جمال خلقته، ولكني ألاحظ أنه لا يحب شكله. كأن لديه عقدة من وسامته. عرفت أن بعضهم تنمر عليه ودعاه باسم فتاة. جاءني بخطاب من المدرسة يستدعيني بعد أن أوسعه شادي ضربا مبرحا حتى أسال الدم من وجهه.
لا تغضب مني يا رؤوف. أعرف أنك رتبت ليلة حلوة لنا في خيالك، وقد لبست القميص الذي تحب وتهيأت، ولكن علينا ألا ننسى أمر ابننا الوحيد. كف عن النظر نحوي هكذا واخرج من الإطار وتعال وقبلني، واحك لي عن حل!
تسألني عن القضية؟ كدت أنسى أن أخبرك. أخبرني المحامي أن وضعنا جيد، وأن أخاك لن يستطيع إخراجنا من بيتنا، وأن القضاء لن ينطلي عليه العقد المزور الذي يحوزه بامتلاك البيت من أبيك. أتساءل كيف يستطيع ذلك البغيض النوم هانئا سعيدا بينما يهدد زوجة أخيه وابنه بالطرد؟
لا يا رؤوف. اطمئن. حاول معي كثيرا ولكني في كل مرة أصده. أتعجب كيف لم ييأس كل هذه الفترة؟ يحاول الضغط علي كي أستجيب له ولكني لن أفعل ولو رأى النجوم في الظهر. هو لا يشبهك في شيء يا رؤوف. أتعجب كيف لبطن واحدة أن تحمل كل هذا الاختلاف بين أخوين؟ كيف نسي أني زوجتك؟ وكيف نسي فضلك في تعليمه بعد وفاة أبيك؟! نذل حقا!
لماذا عبست؟ تغار؟ رؤوف صدقني لم أبتسم له ولو مرة. أنت حبيبي الوحيد. هيا اخرج من هذا الإطار اللعين وقبلني. ما هذا؟ جاءني إشعار بصورة ورسالة صوتية من أخيك . المجنون..الثالثة بعد منتصف الليل! ماذا يريد؟!
سأسمعها أمامك حتى لا تظن الظنون..
صوت صارخ وغاضب:

” أيتها المخبولة.. مات رؤوف ولن يحصل على شيء أبدا، وما فعله ابنك اليوم لن يمر!”

صورة رجل بعين متورمة وأنف نازف.
يا إلهي ! ماذا فعلت يا شادي!
أنا لم أخاطبه اليوم. تناول غداءه بمفرده وذهب إلى غرفته ونام. لحظة! سأذهب إليه..
رؤوف.. ابنك نائم وهو يحتضن قميص المدرسة، وبقعة دم ظاهرة على كم قميصه..
ذهبت الآن إلى مكتبتك ووجدتها مفتوحة. من فتح له المكتبة؟
رؤوف! أنت فعلتها؟ علام تبتسم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى