“ما عاد يأتيني الصباح” – قصة قصيرة


_أخيرا وجدت ثغرة مناسبة، قم يا كريم فقد حان وقت العمل…

منذ اعتاد أبي أن يصطحبني باكرا جدا كل صباحأنا وعدد من إخوتي؛ وقبل شروق الشمس نتسلل من خلال إحدى الثغرات؛ تلك التي يعرفها هو جيدا في خط القطار الفاخر الذي يخدم المحافظات؛ وأنا ما عدت أستطيع مراقبة”سوزان”وهي تنتظر”باص”المدرسة الفاخر، وقد أوحشتني ضفائرها؛ قُصة شعرها الناعمة التي تتدلى فوق جبهتها؛ فتجعلها جميلة ناعمة مثل قطة أليفة، “جوبها” القصير وحذاؤها الصغير اللامع، تراقبها أمها من خلف ستائرها الشفافة من نافذة الفيلا، حتى يأتيها”باص”المدرسة ويناديها رفقاؤها مرحبين:
ـ هيا يا”سوزان”…

تمنيت ألا أكبر؛ فمنذ بلغت السابعة من عمري؛ ما عاد يأتيني الصباح؛ ولم أعد أرى”سوزان”…
يوزعنا أبي أنا وإخوتي قبل شروق الشمس؛ كل واحد في قطار؛ ثم يشدد علينا؛ ألا نترك القطار إلا بعد غروب الشمس؛ فما كنت أشاهد النهار إلا من خلال نوافذ القطار المتسارعة في سباق محموم لا ينتهي، وما عدت أفكر في الهرب بعد أن التهم القطار من قبل أخي”سعيد”لما حاول الهروب.
يحرص أبي أن نكون حفاة، يلبسنا ملابس من قطعة واحدة متسخة ، ليس بها أية جيوب، أو منثنيات نستطيع أن نخبئ فيها بعض مانحصل عليه من نقود؛ فقط حقيبة من قماش كخرقة بالية؛ نضع فيها المناديل الورقية التي نتسول بها، ونضع فيها “المحصول” كما كان يطلق عليه أبي؛ ثم يفاجئنا بين الرحلة والأخرى؛ يفتشنا جيدا ويأخذ “المحصول” ؛ ثم نعيد الكرة مرات ومرات…
ما كان يكترث، أويشفق علينا من لثغة البرد، أو قسوة الأرض على أقدامنا الحافية.
لم أصدم بالحقيقةالتي كانت تراودني، وتتسلل إلى وسادتي القاسية الجائعة كل ليلة؛ عندما ألقت الشرطة القبض علينا أول مرة بأن أبي هذا ليس أبي!
هو مجرد مشرف علينا منذ طفولتنا الناعمة، من قبل المؤسسة الخيرية التي ترعانا، وقد فعلها كثيرا مع من سبقونا في الدار، وعوقب أكثر من مرة بالرفد؛ ثم يعودلمّا لم يجدوا من يَقبل بهذه المهمة الصعبة ورعاية ثلة من الأيتام.
وما تحررنا من أسرهِ إلا عندما التهمه القطار عندما كان يطارد أخي”أدهم“_وهو يحاول الهروب ب”المحصول”؛ فما استطاعت قسوته علينا من أن تشفع لنا أن نذرف عليه بعض الدمع حزنا على فراقه.

الآن أتيت لأوقظ الطفل “كريم”؛ هو ينام مكاني، ما نظرت للنافذة التي فوق سريره؛ فلم أعد أهتم أو أنتظر الصباح، فقد غابت “سوزان” للأبد؛ وما عادت أمها تراقبها، وتبدلت الفيلا بعمارة تناطح السحاب، وما أظنه “كريم”يهتم للصباح، أو وجد طفلة في جمال “سوزان”

بل أنا من وجدت أخيرا ثغرة على خط مترو الأنفاق الذي يربط العاصمة القديمة بالعاصمة الجديدة؛ وقد حانت ساعة العمل للأطفال وحصد”المحصول”:
_قُم يا”كريم”…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى