“ظل وارف” – قصة قصيرة
“ظل وارف” – قصة قصيرة
محمد كمال سالم

لست أدري كيف كنت أصل إليها!
تلك الشجرة هناك، الجالسة على حافة النهر، يلفها النسيم وسكون يرسل إلى القلب الهدوء والطمأنينة، وعندها يتوقف الزمن ويصبح الكون كله سرمدًا، يخلُو من البشر، طيبهم وخبيثهم، ولا يبقى إلا تلك المدرسة جارة الشجرة الوارفة…
وحدي أنا والشجرة؛ وتلك المدرسة وأطفالها يمرحون بلا صخب ولا ضوضاء، يتماهى صياحهم مع صوت العصافير قاطني الشجرة، بيضٌ نظفاء كأنهم ملائكة الجنة.
ألفتهم وألفوني، أشير إليهم من بعيد ويشيرون إليّ في ترحاب وسعادة، وكان كلما غابت الشمس خلف الأفق، ولم يعد للشجرة ظل، أتاني ولدي الأكبر ليعيدني إلى البيت.
تمنيت في كل مرة ألا يأتي، فدائمًا ما كنت أعود مثقلًا بألم الفراق، خائفًا ألا أعود هناك مرة أخرى، أعود مثخنًا بالشوق، يثقل الهواء هنا، أبيت وسقف الغرفة جاثم فوق صدري، تحجب نافذتها الضيقة وبيت الجيران السماء عني.
فإذا انبلج الصبح طبقت الباب خلفي وهربت.
أسمعها تتنمر بي:
– هيا بسرعة إلى خلوتك، تتوق للوحدة وتعود خائبًا خالي الوفاض؛ إياك أن تعود…
يومها سجدت طويلًا في ظلها، أدعو الله، وأطفال المدرسة خلفي ينادونني.
من أين لهم باسمي؟!
دنوت منهم، تلاشى السور بيني وبينهم وكأنه غمام.
تعجبت لما وجدتهم في متلازمة، متوحدين متشابهين، يضحكون في سعادة ويدعونني:
– هيا معنا إلى حفل زفافنا: البنون إلى البنات.
– هكذا بلا مأذون ولا ترتيبات؟!
راحوا يدفعونني أمامهم في سعادة إلى أعلى؛ والسحاب يتشكل تحت خطواتنا درجاتِ سلم …