الريش الأسود …قصة قصيرة
الريش الأسود …قصة قصيرة
محمد كسبه
لا أدري ماذا أصابني، وماذا حلّ بي؟
لا أعرف كيف أتعامل مع هؤلاء، أبدو غريباً بينهم؛ لي جناحان ولا أعرف كيف أطير! على الأرض أقفز تارة وأمشي تارة أخرى، وهم يطيرون يتنقلون بين الأشجار، يعيشون حياتهم بتلقائية، يتناولون طعامهم معاً، و يتقاسمون العناء سوياً، يطيعون كبيرهم و يحمون صغارهم. لهم دستور وقوانين حاولتُ أن أعيها، لكني “جديد” لا أفهم نعيقهم، ولا أدرك مغزى حركاتهم و سكناتهم. على الأرض أبدو شاباً، وهم حولي يتشاورون بحركات الأجنحة ونظرات العيون، حتى المناقير لها دلالات حركية.أريد أن أصرخ، أن أتكلم، لكن كلما فتحتُ فمي -أقصد منقاري الطويل- لم يصدر مني إلا نعيق لا أفهمه، فشعرتُ بسخريتهم مني. هنا، فوق الأعشاب وفي ظل شجرة الصفصاف، اصطف الجميع على شكل بيضاوي، ووجدتُ نفسي بين اثنين بنيتهما قوية، يبدو أنهما مكلفان بحراستي وتقييد حركتي. هبط كبيرهم في المقدمة أمامي، دار يميناً ويساراً، ثم رفع منقاره عالياً ونعق بقوة كأنه يعلن بداية “محاكمة”. انتظم الجميع في أماكنهم، و هزوا مناقيرهم كأنهم يلقون التحية على القائد. نظر إليّ بعينيه السوداوين كأنه يتأملني، ثم رفع جناحيه و نكسهما. اقتربت مني أنثى، هزت ذيلها ورفعت جناحيها و وثبت للأعلى، نظرت إليّ و نعقت بصوت مرح، ثم تراقصت وانتظرت برهة.. أشار إليها القائد بمنقاره فطارت بعيداً. ثم هبطت أخرى فعلت ما فعلته الأولى، وأنا لم أحرك ساكناً، فلا رغبة لي في شيء ، هز القائد منقاره وطار إلى قمة الشجرة، فتبعه البقية، عدا الحارسين القابعين بجواري بانتظار الأمر. على الشجرة، تعالت أصوات الغربان، وفجأة صمت الجميع ونعق القائد؛ فما كان من الحارسين إلا أن انهالا بالضرب بمناقيرهما على رأسي، ثم شرعا في انتزاع الريش من جناحيّ.خارت قواي، و تدلى جناحاي، و تكسرت أضلعي، فصرتُ أنعق وأبكي، لا أعرف ماذا أفعل ولا ما الذي أتى بي إلى هنا؟ بالأمس كنتُ نائماً على فراشي، ولم تكن الأمور على ما يرام؛ أعلم أني كنت مخطئاً في حق الجميع. واليوم، وجدتُ نفسي عاجزاً، عاطلاً، غير صالح للتأقلم مع الناس، وغير قادر على التواصل أو العطاء. لا أعرف إن كنتُ مريضاً، أم فاقداً للذاكرة.. لقد فقدتُ كل من حولي، فكيف أتعامل معهم في حالتي الجديدة؟ وكيف لهم أن يتقبلوني؟فأنا كنتُ عاقاً لوالديّ لا أسمع لنصحهما، وأدمنتُ المخدرات ظناً مني أنها الطريق الجميل للهروب من الواقع. لا أحب أصدقاء السوء، ولكن كيف أعود كما كنتُ “إنساناً” كما خلقني الله؟ أنا لا أحب أن أعيش غراباً.. نذير شؤم.