توجس …قصة قصيرة
توجس …قصة قصيرة
نجوى عبد الجواد
………..
صراع حاد بين ضربات قلبها المتسارعة وتمتماتها التى لاتنقطع. دموعها تتنافس في الهروب من محجريها الملتهبين، تريده أن يخفِّف من حركته المتسارعة هذا الجَزِ.ِع الذى يحتويه صدرها. السكينة بعيدة، تبدو صعبة المنال ،لارغبة لها في شيء منذ أن وصل إليها سؤالهم عنها. تغيِّر وضعها، تمسك بالهاتف، تنظر في الأرقام ثم تلقيه، ثم
تعودوتمسكه، تحاول التماسك :لم أفعل شيئا أخاف منه . تبحث مرة أخرى ثم تلقى به بعيدا وعلامات الغضب على وجهها تحدث نفسها : لا يكفي أنك لم تفعل شيئا.! . فتحتا الأنف تحتاجان دعما؛ ابتعد الفكَّان بُعد المشرق والمغرب؛تنشد الهواء البارد، يندفع إليها مع فتحها ضلفة الشباك ،شعورها بالامتنان له يجعله لايعلن عن ضجره من هذاالداخل الملتهب!. تمسح الشارع بعينيها، الناس في حركة مستمرة، أغلبهم سكان الشارع منذ سنين، هذا الغريب الجالس عند البقال
تخاله ينظر إليها عبر دخان سيجارته،قلبها يعلو ويهبط:
أتراه منهم؟!،
نظراته تفضحه، حتما هو منهم .هكذا اقتنعت. الهواء البارد فقد مفعوله، صوت إغلاق الشباك فاقه صوت دقات قلبها. لاتدري إلى أين، تكتم صرخة كادت أن تخرج، يوقفها ألم ركبتها التى اصطدمت بالكرسِّي في الصالة، تمددرجلها بصعوبة على الكنبة، طبقة كثيفة مع تدليك خفيف ، تبا للمسكنات؛ لافائدة منها. تحدِّث نفسها. تتذكر الرجل؛ يعاودها الاختناق، شبّاك الصالة يطِّل على الشارع نفسه، باب الشقة قريب منها، تنزل رجلها المتعبة، يدها على مقبض الشقة، ربما لو فتحته تجد واحدا منهم. لا، لا، إنه باب عمي سمير الطيب وباب العمارة مغلق بالتأكيد. تحاول طمأنة نفسها. بعض الهدوء يصطحبه الهواء المتسلل ، تمتماتها تتوقف فجأه!: منذ متى؟! لا، لا، عمي سمير صرتَ منهم!؟ كاميرا فوق باب شقتك!.
تغلق باب الشقة وتعيد إحكام الإغلاق. تصطك أسنانها، برد، تشعر أنها عارية ، تجرّ قدمها، كثير مما بباطن الدولاب طُرح أرضا، الشال الصوف تتدثر به والطرحة الثقيلة تلف رأسها بها.
تفكر في صنع مشروب ساخن يدفئها، تدخل المطبخ، مازالت رجلها تؤلمها، كيس القمامة لم تخرجه ، أغضبت البواب من عدة أيام؛ تأخر في أخذ الكيس، يباغتها احتمال : ماذا لو كان معهم،؟!، غبية أنا، ليتني ما فعلت، ليتني ما فعلت، يا لك ِمن غبية. لحظة صمت وتعاود :ليس البواب فقط؟ ربما بائعة النعناع أيضا؛ تنظر إلىّ في طريق الذهاب والعودة،و أحيانا تخفي تعمّدها النظر بابتسامة وإماءة بالرأس، لِمَ لمْ أجزل لها العطاء، لقد اشتروها، هي معهم بالتأكيد!.كيس مكرونة وحيد بالمطبخ الخشبي:
منذ انقطع الراتب لم أشتر ِِ من عمي محمود البقال كما كنت أفعل. عمي محمود! يا ويلي، البيت في دائرة كاميرا محله، مكان جيد لهم، أصبح عينهم الآن !.
تقفز مفزوعة من صوت الهاتف، بيد مرتعشة تمسك به، رقم غير مسجلٍ، قد يكون أحدهم، لن ترد، لن ترد. لا تغضبيهم، ردي، ربما يأتون إذا لم تفعلي، كفى غباءً.تلوم نفسها. تضغط زر الهاتف، صوت زميلتها السابقة، تعرف هذا الصوت جيدا، لِمَ الآن؟! آخر حوار معها كانت غريبة، كثيرة الأسئلة عن زوجها الغائب، عن أولادها ، كيف تدبّر أمورها، أتكون…؟! لا،لا مستحيل، إنها ليست كالآخرين. تعود وتتراجع، “لا مستحيل في هذا العالم.!. تكاد تجن كيف توقف هذا الذى يستعر بداخلها؟!.
منزوية على الكنبة ، منكشمة على نفسها، غطاء خفيف فوقها ، أخيرا غفت بعد ليالٍ من السهر. منكفئة على وجهها تتخبط في غطائها،أفزعتها رناتٌ متتالية، جرس الباب، تحاول التخلص من الغطاء الذى التف حول قدمها ، لاتدري كيف ، تتشظي الحروف : و، وص، ل، وا.
لا، لن، لن أفتح . الرن مستمر، ربما يكسرون الباب ويدخلون، سوف يكونون قساة، الأفضل أن أفتح. طرقات تصاحب صوت الجرس، بنظرات عينيها الزائغة تقترب من عين الباب، تشعر بدوار، رأس أصلع، آخر بجواره لاتتبينه، يدها المهتزة على مقبض الباب، يعاودالرن والطرق،تشعر بروحها تنسحب من جسدها، سوف تخرج إليهم، ما يمكن حدوثه ليس بأقسي مماهي فيه. تجد صعوبة في إدارة المقبض، تضع يدها على الأخرة المهتزة وتحاول مرة أخرى، تتراجع للخلف لتفسح لهم، لا تكاد تراه، رجل يُدخِل حقيبة، غاب عنها اسمه ولا ماذا يقول، جري مسرعا حينما سمع الجار يناديه ، دفعت الحقيبة بقدمها و دخلت مستنكرة التأخير في فتح الباب وهذا الوجه شديد الصفرة، و تبدي قلقها من هذا الجسد المتخشب. هذا الصوت مألوف لها، بعينيها الغائمتين تحاول، هذا الوجه تعرفه تماما، هذا الوجه… قبل أن تغيب عن الوعي بين ذراعي السيدة وبصوت ضعيف مخنوق هتفت :ماما!