” غارَتْ أُمُّكُمْ ” – درس للحياة
” غارَتْ أُمُّكُمْ ” – درس للحياة
ليتنا نتعلم.. ساعة غضب قد تهدم سنوات من المحبة
يسري ربيع داود

الكثير من الأزواج يمرون بلحظاتٍ حاسمة من الشقاق، قد تؤدي إلى خراب البيت وشق عصا السكن والرحمة والمودة، قد يكون السبب تافهًا، إلا أن قوى الغضب والانفلات أقوى .
وبشيءٍ من التغافل يمكن أن تمر المشكلة مرور الكرام. لكنها العنجهية التي تستولي على بعض النفوس، فيتمادى الجميع في الخطأ، فتقع المصيبة: تفككٌ أسري، وإن لم يصل الأمر إلى التفكك ستصبح الحياة بلا طعم ولا لون ولا رائحة.
يعيش كثير من الأزواج حياةً روتينية، تقوم على مجرد الاعتياد؛ متعودون على بعضهم، لكن بلا حب، ولا مودة، ولا رحمة. والتغافل أحيانًا حكمة عظيمة تستقيم بها الحياة، لكنه ليس محمودًا في كل الأحوال، وإنما يضبطه الدين والمروءة.
سأحكي لكم موقفًا من حياة النبي الكريم ﷺ مع أمِّّنا عائشة رضي الله عنها.
كان النبي ﷺ عند أم المؤمنين عائشة، فأرسلت إليه إحدى زوجاته صحفةً فيها طعام مع خادمٍ لها. فلما رأتها عائشة غارت، فضربت يد الخادم، فسقطت الصحفة، وتناثرت قطعها، وانتثر الطعام على الأرض.
إلى هنا نقف…
ما رأيكم لو حدث ذلك معكم؟
يبدو الموقف صعبًا جدًا، لا سيما أنه كان أمام جمعٍ من الصحابة الكرام.
ترى…
ماذا كان فعل النبي الكريم ﷺ؟
وماذا سيكون رد فعلك أنت -أيها القارئ- لو حدث ذلك معك؟
أخشى أن كثيرًا منا، بدافع الغضب أو اعتقادًا خاطئًا بأن الشدة دليل قوة، قد يندفع إلى تصرفات لا تُحمد عقباها، ثم يندم بعد أن تهدأ ثورته.
ردَّ فعل خير خلق الله كان مختلفًا… وكيف لا، وهو رسول الله ﷺ؟
لقد جاءت هذه المواقف لتعلمنا وتربينا، لا لتكون مبررًا لخطأٍ أو إساءة، وإنما لنرى بأعيننا كيف يكون الحلم، وكيف تكون الرحمة، وكيف يكون التغافل في موضعه.
لقد هوى النبي ﷺ إلى قطع الصحفة، فجمعها، ثم قال بكل هدوء:
«غَارَتْ أُمُّكُمْ».
يا الله…
ما أعظم هذا العفو، وما أوسع هذه الرحمة، وما أرقى هذا التغافل!
إنه ﷺ بشر، يجري عليه وعلى أهل بيته ما يجري على سائر البشر، ولكن الله جعل حياته مدرسةً نتعلم منها. ولو أننا اقتدينا بهديه، لحُفظت بيوتٌ كثيرة، وقلَّ الطلاق، وساد الوئام بين الناس.
وأنت في عملك، وفي جامعتك، وفي بيتك، وفي تعاملك مع والديك، وزوجتك، وأبنائك، وإخوانك، وسائر من حولك، كن طويل البال، رحيمًا، شفوقًا، تقبل الأعذار، فإن لم تجد عذرًا، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.
وانتبه…
فإن ساعةً من الغضب قد تهدم سنواتٍ من المحبة، وكلمةً في لحظة انفعال قد تترك جرحًا لا يندمل.
فلنتعلم من هديه ﷺ، ولنكثر من الصلاة والسلام عليه، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.