غرام على ضفاف الفرات – قصة قصيرة


بيت قديم متشقق الجدران ،

يريد أن ينقض ،

بقايا قارب لصيد السمك ملقى على ضفة الفرات ،

يشهد أنه كان هنا يوما صياد سمك ،

على كرسي من القش يجلس عجوز محني الظهر ،

اعتزل الناس ، واعتزله الناس

لم يعودوا يعرفون عنه إلا اسمه / غريب

وهو غريب فعلا في وحدته وشروده واعتزاله ،

على مخايله بقايا وسامة ، وبقية صحة على وشك الغروب ، تشهد أنه كان يوما رجلا مكتمل الرجولة والشباب ،

رجل غذاه ماء الفرات وهواؤه وسمكه وزرعه ،

في يده موبايل ،

تعجب منه ،

ماذا يفعل بالموبايل ، ويكلم من ؟!!

رفع الموبايل إلى أذنه ،

يبدو أنه يكلم أحدا !

من ؟ وهو لا يغادر كوخه المتهالك ، ولم يُر يوما يخاطب أحدا ،

تكلم وتكلم ، ثم وضع الجهاز السحري بجانبه ،

وشرد بناظريه يجوب صفحة الفرات وكأنه يراه لأول مرة ،

على شفتيه ظلال ابتسامة ، لا تُرى إلا عندما يتكلم في الموبايل ،

ألقى ظهره إلى الجدار وكأنه يسنده ،

أغمض عينيه بعد أن شبع من منظر الفرات ،

رجع بذاكرته إلى الوراء ،

أيام أن كان فتى عفيا ممشوق القامة ،

بادي الوسامة في رجولة ،

ها هي تمر أمامه ، تحمل جرة الماء العذب ،

( زينة )،

جارة الفرات ، وظبية الفرات

في الواقع لم تكن صدفة ،

هو يتعمد ملاقاتها ،

أحس أنها تختلس النظر إليه على استحياء ،

تجرأ مرة وطلب منها شربة ما وكان الجو حارا ،

ناولته الجرة ،

كلمها وأعرب لها عن إعجابه بها ،

وبادلته الإحساس ، لم يصدق نفسه ،

تكررت اللقاءات المختلسة ،

واتفقا على أن يتقدم لخطبتها ،

كان أبوها من أصحاب الأملاك والأراضي

وكان أبوه صياد سمك ،

لم يشفع له أنه منخرط في سلك الجندية ،

ولم تفلح محاولات الوساطة في ثني والد زينة عن رأيه ،

قرار قاسي وحاسم :

( لا أزوج ابنتي بابن صياد سمك )

التقى الحبيبان ،

تشاكيا وبكيا ،

تعاهدا على أن لا يفرق بينهما إلا الموت ،

حُبِست زينة ومنعت من الخروج ،

وانتشرت قصة حبها لغريب ،

وتزوجت زينة مرغمة من شاب من ذوي الأملاك لتقطع كلام الناس الذين أخذوا يخوضون في سيرتها ،

ولم يتزوج غريب ،

مضت الأيام ، وتقاعد من الجيش

توفي والداه وبقي وحيدا ،

واعتزل الناس ،

لم تكن هذه هي النهاية ،

مضت الأيام بزينة وأنجبت وتزوج أولادها ،

ثم مات زوجها ،

اشتعلت جذوة الحب القديم في صدر غريب ،

وأخذ يراقب بيت زينة ،

ورآها تجلس أمام بيتها وبين يديها جُرن لطحن القهوة كعادة الناس في ذلك الزمان ،

وتقدم منها وتعارفا ،

دهشت عندما علمت أنه لم يتزوج حفاظا على عهده لها ،

وتجدد الحب القديم ، وأصبح يترقب يوم جلوسها أمام البيت لطحن القهوة ، فيأتيها يتبادلان الحديث والذكريات ،

لم يكتف غريب بهذا اللقاء الأسبوعي القصير ،

ذهب إلى محل تليفونات واشترى موبايلا له وآخر لها ،

وصارا يتحادثان يوميا ،

وفجأة لم تعد زينة ترد على اتصالات غريب المتكررة ،

ومضت أيام على هذا الحال ،

ظن غريب أن هناك خللا ما في الموبايل ،

ذهب إلى محل الموبايلات ،

وكان صاحب المحل قد عرف منه قصة حبه لزينة ،

نظر إليه مشفقا وقال له :

أما علمت بالخبر ؟

قال غريب منزعجا : أي خبر ؟

قال : لقد توفيت زينة منذ عدة أيام ،

تزلزل كيان غريب المتهدم ،

وسقط مغشيا عليه ،

وتم نقله إلى المستشفى على عجل ،

وهناك فارق الحياة ،

لقد شهدنا على شاطىء الفرات غراما عاد بنا إلى قصص الغرام العذري ،

رحم الله غريبا وزينة ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى