منبه الشغل، ومنبه الفجر

منبه الشغل، ومنبه الفجر

استيقظت اليوم قبل قرآن الفجر لوعكةٍ ألمّت بي. وبعد أن هدأت أنفاسي توضأت للصلاة، ثم بدأت المآذن المضيئة تبث قرآن الفجر، أعقبته التواشيح، ثم الأذان، ثم القرآن.

بعدها وقفت خلف نافذة تحتضن البلدة بأكملها. كانت المساجد الكبيرة وحدها هي التي تبث قرآن الفجر، لكن ما هالني وتوغّل في كل خلجةٍ من خلجاتي أن جميع المساجد بدأت الإقامة معًا. اختلطت أصوات الجوامع بأصوات المساجد والزوايا، وتماهت جميعها حتى ملأت أرجاء القرية الهادئة.

وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا قد يخالف ما تتوقعونه من هذه المقدمة؛ فكل هذه الأصوات تنادي -عبر مكبرات الصوت- جميع الناس، ولكن… كم واحدًا منهم يسمع النداء؟

تخيل معي…

لو دخل أحدكم مخدعه ليستريح قليلًا في قيلولته، أو طويلًا في نهاية يومه، فإنه يوصي كل من في البيت بخفض أصواتهم حتى لا يُزعجوه. فإن ارتفع صوتٌ، خرج يرفس غطاءه، ويجذب الباب من مقبضه، ويزبد ويرغي، ويصب اللعنات على كل من يقابله، ويتحول فجأة إلى إنسان لا يطيق أدنى إزعاج.

لكن العجيب أن هذا الإنسان نفسه يتحول عند الفجر إلى إنسانٍ كأنه ميت!

كل هذه المآذن تنادي بأعلى صوتها، وتتلاقى الأصوات عبر الأثير، حتى كأنها جرافات تهدم الحواجز والجدران، ومع ذلك لا تنجح في فك شفرة هذا النائم اللاهي!

يا ويلنا… ماذا حدث لنا؟ ماذا حدث لأقفيتنا التي عقد الشيطان عليها عقدًا لا تنفك؟ وماذا جرى لقلوبنا حتى أوصدت بأقفال لا تنحل إلا مع صوت منبّه العمل الضعيف، الذي لا يقارن بمكبرات الصوت التي كانت تنادي قبل لحظات؟

لقد أصبحت قلوبنا معلقة بمنبّه الشغل، ومتخاصمة مع منبّه الفجر!

فما هذا الران الذي تراكم عليها؟

قبل الأذان نظرت إلى الطريق الطويل المؤدي إلى داخل البلدة، فرأيت بابًا يُفتح، ويخرج منه شيخٌ كبير، يمشي بضعف متجهًا إلى المسجد.

إي والله… رجل واحد فقط من الحي الذي أعيش فيه خرج قبل قرآن الفجر، ولعل القليل يخرج مع الإقامة!

تذكرت يومًا كان والدي -عليه رحمة الله تعالى- نائمًا عندنا. وقبل قرآن الفجر انفتح باب البيت، فخرجت مسرعًا أظن أن لصًا قد دخل. فتفقدت الغرف، وفتحت غرفة والدي فلم أجده.

أين ذهب في هذا الوقت؟

وجدته قد سبق إلى المسجد، وجلس أمامه حتى يأتي خادمه ويفتحه. ثم أخذ نسخة من مفتاح المسجد، فأصبح يفتحه بنفسه كلما أقام عندنا. بل كان يحمل نسخة من مفتاح كل مسجد اعتاد أن يصلي فيه.

وفي عصر يوم وفاته سلّم المفاتيح إلينا لنردها إلى خدم المساجد، ثم فاضت روحه عند مغرب ذلك اليوم، وكانت مسبحته ما تزال متشابكة بين أصابعه بعد أن ختم بها صلاته.

هكذا تكون القلوب المرتبطة بالمساجد…

ليست في أوقات الراحة والدعة خلال النهار، هذه أوقات العامة من الناس، أوقات الدلع، وإنما في وقت صلاة الرجال… هو وقت صلاة الفجر.

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ومن اعتاد التفريط في صلاة الفجر، فليعزم من هذه الليلة ألا تفوته ابتداءً من الغد.

أفيقوا يا شباب المسلمين ويا كل مسؤول عن أسرة،
عاهدوا الله على صلاة الفجر، ولا تجعلوا قلوبكم معلقة بمنبّه الشغل الدنيوي، ومعطلة عن سماع مئات المكبرات التي تناديكم إلى طوق النجاة.

قل من قلبك: عاهدتُ الله على صلاة الفجر.
أرجو مشاركة المنشور ليصل إلى ملايين الناس لعله يكون ثقلًا في ميزان حسناتي وحسناتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى