الحياة.. فيلمٌ كبير و«الكومبارس» أكثر من الأبطال!
الحياة.. فيلمٌ كبير و«الكومبارس» أكثر من الأبطال!
د. يسري ربيع داوود
منذ أن فتح الإنسان عينيه على الدنيا وهو يؤدي دورًا في فيلمٍ طويل لا ينتهي إلا بنزول التترات الأخيرة، يظن كلٌّ منا نفسه البطل الأوحد، بينما الحقيقة أن الحياة أكبر من الجميع، وأننا جميعًا ممثلون على مسرحها الواسع، نأتي ونؤدي أدوارنا ثم نغادر في هدوء، ويبقى الفيلم مستمرًا بينما ينصرف المشاهدون جماعات ، ولا همّ لهم إلا الحديث عن كل فرد كان يؤدي دوره، فيبرزون مواطن قوته وضعفه، يقطعونه تقطيعًا؛ يصفقون لهذا ويلقون ذاك في سلة القمامة! الحياة مواقف، تتشابه إلى حدٍّ كبير مع الأفلام التي نشاهدها ونستمتع بها. وفي الحياة يهتم الإنسان بـ(البريستيج) والديكور المحيط به، ويحرص على كل ما يضيف لمظهره العام ولشكله الخارجي، من أول بيته مرورًا بالشارع، وصولًا إلى محل عمله. هذا الأمر_ يا أصدقائي _ يختلف من شخصٍ لآخر؛ فالشخص العادي يزين نفسه بلباسٍ أنيق، منمق، تتوافق ألوانه مع الحذاء والحزام وتسريحة الشعر، ويضيف بعض الإكسسوارات؛ ساعة هنا، وخاتمًا هناك، وقلمًا في الجيب، وشيئًا من الچل في الشعر، وحظاظة في اليد، وسلسلة في الرقبة كتلك التي يضعونها في رقبة الكلاب_ أكرمكم الله _ وكأنه بطل الحلقة الأخيرة من مسلسل تركي طويل ممل. بل إن بعضهم لا يكتفي بذلك، فتراه يلتقط عشرات الصور لنفسه في اليوم الواحد، مرة أمام المرآة، وأخرى بجوار السيارة، وثالثة ممسكًا بفنجان قهوة لم يشرب منه رشفة واحدة، المهم أن يظهر المشهد كامل الديكور، متكامل الإضاءة، وكأن المصور العالمي ينتظر خلف الباب. أما أصحاب المناصب الإدارية والوجاهة الوظيفية، فهم ممثلون من درجة أعلى، مثل كبار النجوم، فالمكتب عندهم جزء من الشخصية، بل ربما أهم منها أحيانًا. تبدأ الحكاية بقطعة نحاسية لامعة على المكتب، منقوش عليها الاسم كاملًا، وتحته المسمى الوظيفي الذي لولا الحياء لكتبوه بحروف مضيئة تُرى من آخر الشارع، لا يهمهم الاسم بالكامل كثيرًا؛ بل يهمهم المسمى الوظيفي، والغريب أن هذا المسمى الوظيفي يبقى مدة بسيطة جدًّا، ولا يتبقى له إلا اسمه واسم شهرته فقط، وعندها لا يتذكره أحد، فالحياة هي من علمتنا ذلك. ثم يأتي المكتب الفخم، والشاشة العملاقة التي تبرز الأسهم الحمراء والخضراء في شريط الأخبار أسفل الشاشة ، وهناك الهاتف متعدد الخطوط، وقلم الباركر، والكرسي الوثير الذي يتحرك في جميع الاتجاهات. فإذا أراد صاحبه أن يبدو أكثر أهمية، مال إلى الخلف واضعًا رجلًا فوق أخرى، وأخذ يتحدث ببطء وكأن مصير الأمم معلق على توقيع أم سيادته! ومن خلفه تتدلى الشهادات المؤطرة، وصور التكريم، وبعض قطع الأنتيك التي لا يعرف أحد وظيفتها، لكنها تؤدي أهم وظيفة في الدنيا: إبهار الزائرين. أما أصحاب الجاه والنفوذ والمال، فهؤلاء لا يكتفون بديكور الجماد، بل يحتاجون إلى ديكورٍ بشري من نوع خاص، وهؤلاء كثر لا حصر لهم. تجد حولهم دائمًا شخصيات تؤدي أدوارًا محفوظة؛ أحدهم مهمته الضحك على النكتة قبل أن تكتمل، وآخر يوافق على الرأي قبل أن يسمعه، وثالث يشرح للناس عظمة الرجل حتى لو كان الرجل نفسه لا يعرف سبب تلك العظمة. وهناك آخرون من رعاع القوم يدافعون عن أرائه وأعماله ووجاهته نيابة عنه، وهؤلاء يشعرون بنشوة لا حد لها إذ ينتصرون لولي نعمتهم ومكمل وجاهتهم الزائفة! إنهم يشبهون أحمد راتب في أفلام عادل إمام، أو جوقة عتريس في فيلم “شيء من الخوف”، أولئك الذين يسبقون البطل بخطوات، ويفتحون له الطريق، ويزينون أفعاله كلها، حتى إذا عطس قالوا: ما أروع هذه العطسة الوطنية الخالصة! ولو ضربهم شلوتًا تغنوا به وقالوا : إن شلوتك يا أفندم دفعة للأمام لبلوغ المجد! وهناك نوع آخر من الديكور البشري، لا يقل أهمية عن سابقه، مثل شيخ القرية في فيلم “الزوجة الثانية”، صاحب المقولة الشهيرة: “البلد بلدنا والدفاتر دفاترنا”. هذا الصنف موهوب في تحويل كل شيء إلى شيء آخر؛ يحوّل الخطأ إلى صواب، والحرام إلى اجتهاد، والعيب إلى وجهة نظر، ويجعل سيده يشعر أنه أعظم اكتشافٍ بشري منذ اختراع العجلة الحربية وقبل ظهور مينا موحد القطرين. ولا يقتصر الأمر على الأحرار خارج الأسوار؛ فحتى بعض الوجهاء الذين انتقلوا من المكاتب الفخمة إلى الزنازين الواسعة، لا يفقدون ديكوراتهم البشرية بسهولة. فهناك دائمًا من يرتب لهم المشهد، ويهيئ لهم المكان، وينفخ فيهم من هواء التعظيم ما يكفي لإقامة منطاد يطيرون فيه فوق حياة الأحرار التعيسة. والطريف والعجيب معًا أن الإنسان يقضي عمره كله تقريبًا في جمع الديكورات؛ ديكور للبيت، وديكور للمكتب، وديكور للسيارة، وديكور للحسابات الإلكترونية، وديكور للعلاقات الاجتماعية، حتى ينسى أحيانًا أن أهم ما يحتاجه هو ديكور الروح. فالروح أيضًا تحتاج إلى زينة؛ تحتاج إلى صلاةٍ صادقة، وكتابٍ نافع، وصديقٍ مخلص، وضحكةٍ نظيفة، وموقفٍ كريم، وكلمةٍ طيبة، وضميرٍ مرتاح إذا خلا بنفسه آخر الليل يريد أن يراجع دفتر أحواله ، حتى إذا رآه بخير حال تخلى عن إمكانية البصق على المسخ الموجود أمامه في المرآة ، ولكن الله سلم . وفي النهاية، وبعد أن تنطفئ الأضواء، ويغادر الكومبارس، وتُرفع الديكورات، ويُغلق الاستوديو أبوابه، لن يبقى مع الإنسان كرسيه الوثير، ولا سيارته الفارهة، ولا لافتته النحاسية، ولا جوقة المصفقين من حوله. سيبقى مشهد واحد فقط هو مشهد وقوفه أمام مرآة نفسه. فإن رضي عمّا يرى فقد ربح الفيلم كله، وإن خجل من صورته فلا قيمة لكل ما جمعه من ديكورات. أما إذا رضي عن نفسه رغم وضاعة صورته في المرآة أمام الناس فليلق نفسه حيًّا في ترعة المريوطية!
يا عزيزي: العمر لحظات؛ لحظة عبادة، ولحظة متعة، ولحظة قراءة، ولحظة حب، ولحظة عطاء. هو لحظات متتابعة، والسعيد الفائز هو من يعيش كل لحظة بحقها، ويجعل أجمل ديكورٍ في حياته قلبًا مطمئنًا وضميرًا راضيًا.
اسمع يا بني : الحياة فيلمٌ قصير، فاحرص أن تكون محترمًا أمام نفسك في المرآة وأمام الناس حتى تستطيع أن تنام مرتاحًا غير مهزءٍ!!