بين ” القيافة و اللقافة ” و تتبع عورات الخلق
بين ” القيافة و اللقافة ” و تتبع عورات الخلق
يسري ربيع داود

يا أستاذ:
(لو سمحت .. نزل مناخيرك تحت!)
قال تعالى : “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” الإسراء (36)
….
(تقفُ) من الفعل (قفا) أي تتبع الأثر .
وتتبع الأثر قديمًا كان ممارسة بارزة في الثقافات العربية، وخاصةً بين البدو، حيث كان يُعرف باسم “قص الأثر” أو “القيافة”، والذي يقوم بذلك هو (قصاص الأثر). . هذا العلم يعتمد على القدرة على تتبع آثار الأقدام والتعرف على الأشخاص والحيوانات.
وقد استعمله كفار قريش لتتبع أثر النبي الكريم وصاحبه في الهجرة وقد حجبهما الله تعالى عنهم.
كلمة (تقفُ) في التراث الشعبي السعودي بمعنى (اللقافة) وهم ينطقون القاف جيمًا فيقولون :(اللجافة) وهم يذكرونها لكل شخص يحشر (مناخيره) فيما لا يعنيه ويسأل عما لا ينفعه ولا يضره. وعلى المستوى التكنولوجي صنعوا لاصقة للهاتف تمنع الجالس بجوارك من النظر في هاتفك وسموها لاصقة (اللقافة/اللجافة)! المدلول العام للكلمة ليس خاصًّا بالنظر فقط ولكنه يتعداه إلى السمع . منه التلصص على جارك وصاحبك وزوجك ! تسمع مالا يسرك ولا يضرك ولا تدري لماذا تفعل ذلك ! ولكنها ( رخامة)! ومن هذا الأصل اللغوي جاءت (القيافة)، وهي تتبع الأثر وماهو أبعد منها ؛ فتشعر أن المعنى القرآني يغوص في أعماق النفس الإنسانية التي يقوم صاحبها بتقفي أثر كل كلمة؛ يسأل ويستقصي لا لشيء إلا ليرضي فضوله (اللزج) ! لا يدري أنه سيسأل عن هذه التفاهات أمام الله ؛ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا . هي رسالة واضحة لكل ذي أنف طويل كالثعبان يحشره في جدران جاره الجنب أو سابع جار ؛ يعرف الخبر فيضع عليه من ( التوابل) أنواعًا فيصبح الخبر ( أخبارًا).
ومن أمثلة استعمال الكلمة في حياتنا كلمة (قيِّف لي البنطلون )؛ فقد اشتريته واسعًا وتريد أن تجعله (محزقًا) على طريقة الموضة!
كنت مع ابنتي عند ماكينة الصراف الآلي نتحدث عن الكارت الجديد الذي من المفترض أن نضع له رقمًا سريًّا، ففوجئنا بأن الواقفين في الصف ومعهم عسكري الأمن يحشرون أنوفهم وأسماعهم معنا فأمطرونا بالنصائح التي وصلت لأن افترض أحدهم رقمًا سريًّا بيوم ميلاد أحدنا! سمعنا العديد من النصائح والفتاوى التي جعلتنا نضحك كثيرًا بعد أن (فلتنا) من هؤلاء (الملقوفين/الملجوفين)! ومنذ عشرين عامًا_ أيام سطوة الجريدة الورقية _ كنت أشتري جريدتي المفضلة من أجل كُتَّابها، وأنتظر حتى أصل إلى البيت لأقرأها في هدوء. لكن ما إن أتصفح عناوينها في سيارة الأجرة حتى أجد عين الجالس بجواري تلتهمها، ثم يطلب الجريدة بكل لقافة قبل أن أفرغ منها! وكانت عادة أمقتها كثيرًا.
واليوم، في عصر الهاتف الذكي، لم يتغير شيء؛ ترك أحدهم هاتفه، وانشغل بالنظر في هاتفك! لا لشيء إلا لأنها… رخامة!
نسمع أخبارًا عن مشكلة هنا وأخرى هناك وعندما تنتقل من مجلس إلى آخر فإنك تعرف المشكلة على أكثر من سيناريو ، والكل يتبارى في وضع التوابل ليكون له بصمة خاصة عليها ليشعرك بأنه كان عنصرًا فاعلًا فيها والأمر لا يعدو أن يكون (ملجوفًا) ، ومن الممكن أن نضيف صفة أخرى للكائن المتطفل فيصبح هو الكائن (الحلُّوف)!
نعاني كثيرًا من هذه الصفة ، وسيعاني أصحابها عندما يسألهم ربهم عن تتبع أخبار هذا والهمز واللمز على ذاك.
وأنت عزيزي القارئ قصِّر ( منخرك) وكف عن تتبع أخبار الخلق ؛ دع الخلق للخالق .