التصفيق الذي قتل صاحبه: مأساة ضياء العوضي بين الوهم والبطولة الزائفةبقلم – أشرف الجبالي
التصفيق الذي قتل صاحبه: مأساة ضياء العوضي بين الوهم والبطولة الزائفة
بقلم – أشرف الجبالي

قرأتُ مؤخرًا مقالًا لكلٍّ من د أحمد دبيان والدكتورة ريهان القمري تناولا قضية الطبيب ضياء العوضي، فبدا لي أن الأمر ليس مجرد جدل عابر، بل مسألة جلل تستحق التوقف عندها والكتابة بشأنها بقدر من الهدوء والإنصاف وأنا اشاطرهم الرأي واتفق معهم تماما،
في خضم الجدل الدائر حول وفاة العوضي، يبدو أن القضية تتجاوز مجرد اختلاف في الآراء الطبية أو الغذائية، لتلامس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تعامل المجتمع مع الأفكار غير التقليدية، وحدود المسؤولية بين الفرد ومن يحيطون به.
لم يكن الخلاف الحقيقي حول أفكار الرجل بقدر ما كان حول الطريقة التي رُوّجت بها، والتصفيق الذي صاحبها رغم ما بدا عليها من تناقض مع أبسط الأسس العلمية. فقد قدّم العوضي نفسه باعتباره صاحب طرح مختلف في التعامل مع الأمراض المزمنة، خاصة داء السكري، إلا أن هذا الطرح—بحسب متخصصين—لم يصمد أمام التطبيق العملي، بل انعكس سلبًا على حالته الصحية بشكل واضح خلال سنواته الأخيرة.
اللافت أن التدهور الجسدي الذي ظهر عليه لم يكن خفيًا، بل كان مرئيًا لكل من تابع مسيرته عن قرب، ما يثير تساؤلات حول دور المحيطين به: هل كان واجبهم التشجيع المطلق، أم التنبيه والتحذير؟ هنا تتجلى المأساة في صورتها الأوضح؛ إذ تحوّل الدعم غير المشروط إلى عامل ساهم في ترسيخ قناعات ربما كانت بحاجة إلى مراجعة أو تدخل متخصص.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات أسامة حمدي، أستاذ الباطنة بجامعة هارفارد، لتسلّط الضوء على أبعاد خطيرة في هذه القصة. فقد أشار إلى أن بعض التوصيات التي نُسبت للعوضي—مثل تشجيع مرضى السكري على تقليل أو إيقاف العلاج—كان لها تبعات صحية جسيمة، وصلت في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة. كما لفت إلى أن الحالة الجسدية والنفسية للطبيب الراحل كانت تستدعي تدخلاً علاجيًا مبكرًا، وهو ما لم يحدث.
القضية هنا لا تتعلق بإدانة شخص بقدر ما تتعلق بفهم ظاهرة. فهناك فرق كبير بين من يروّج لأفكار مضللة عن قصد، وبين من يؤمن بها تحت تأثير اضطراب أو قناعة غير متزنة. وفي الحالتين، يظل غياب النقد العلمي الرصين، واستبداله بالتصفيق أو التقديس، عاملًا مشتركًا في تفاقم الأزمة.
ربما يكون من المؤلم الاعتراف بأن المجتمع قد أخفق في حق هذا الرجل مرتين: الأولى حين لم يُحط بما يكفي من النصح والتوجيه، والثانية حين بدأ—بعد رحيله—في إعادة صياغة صورته بشكل بطولي، متجاهلًا الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربته.
وكما قال نجيب محفوظ: “آفة حارتنا النسيان”، إلا أن ما نراه اليوم قد يكون أخطر من النسيان ذاته، إذ يتحول الخطأ إلى رواية ممجّدة، والتجربة القاسية إلى أسطورة.
إن ما نراه اليوم يذكّر بما كتبه غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير حين أشار إلى أن الجماهير لا تعطش للحقيقة بقدر ما تنجذب إلى الوهم، وأن من يجيد مخاطبة عواطفها يملك زمامها، بينما من يحاول إيقاظها قد يدفع الثمن. وهي فكرة تبدو حاضرة بقوة في هذه القصة، حيث امتزج التعاطف الإنساني مع الانبهار، فغابت المسافة الضرورية للنقد.
في النهاية، تبقى قصة ضياء العوضي تذكرة مؤلمة بأهمية الاحتكام إلى العلم، وضرورة التمييز بين التعاطف الإنساني والتبرير غير الواعي. فليس كل من نختلف معه عدوًا، لكن ليس كل من نرثيه يجب أن نرفع أفكاره فوق مستوى النقد.