حديث بلا توتر أو انحياز : الطب إلى أين ؟ …. مقال بقلم د. أحمد دبيان
حديث بلا توتر أو انحياز : الطب إلى أين ؟ …. مقال بقلم د. أحمد دبيان

منذ ما يربو على الثلاثين عاماً ، تزيد قليلاً إخترت التخصص الذى أزعم إنى قد تميزت فيه ، وهو تخصص طب الحالات الحرجة وبحمد الله نلت أعلى درجات التخصص فيه .
لم يكن إختيارى له أختيار ضرورة أو لما تجود به برامج التدريب الاكلينيكى والتوزيع فيها فقد كنت أملك الخيار للتخصص فى تخصصات عده قد تكون أكثر ربحاً وريعاً بالمنطق الطب التسليعى الرأسمالى .
إخترت التخصص لعاملين ؛
عامل التحدى لمجابهة دروب الموت .
والآخر حتى لا أصبح طرفاً فى صفقات الطب وتسليع المرض.
آمنت منذ البداية ان الطب ودون الدعاوى النمطية بأنه مهنة إنسانية وهو قول حق يراد به باطل ان الطبيب لا يحق له ان يحيا بجهده وكده وبدخل يكفل له الحياة الكريمة فى مجتمع لا يجد غضاضة أن يدفع الألوف المؤلفة لتاجر العجول ولكنه يجد نفس الغضاضة حين يأتى الأمر للطبيب .
بداية أنا لم أومن قط بشرعية العلاقة ما بين يد الطبيب وجيب المريض كما صاغها الساخر الكبير فيلسوف الإشتراكية الفابية جورج برنارد شو .
حيث قال فى كتابه حيرة الطبيب ؛
لن تتقدم مهنة الطب وتصبح مهنة إنسانية وليست تجارية، ما لم نضع حائلاً بين يد الطبيب وجيب المريض، على أن تكفل الدولة للطبيب حياة كريمة براتب معقول، كما قال أيضاً: الطبيب الجائع أو عديم الضمير أشد خطراً على المجتمع من أى مجرم! فالمجرم يرتكب جريمة واحدة أو اثنتين فى حياته، أما هذا النوع من الأطباء فيرتكب أكثر من جريمة كل أسبوع باختلاق عمليات لا داعى لها!
لكى يتم هذا الأمر الانسانى الذى رأى الطب والأطباء منظومة فى مهنة احترافية انسانية ومع تطور الإشتراكية الفابية لمنهاج حركى فى مجتمع تجارى ظهرت فيه الميركانتلية ( الرأسمالية التجارية او رأسمالية الأساطيل لتتطور الى رأسمالية صناعية باختراع جيمس وات الماكينة البخارية وتنظير آدم سميث فى كتابه ثروة الأمم المبدأ الشهير دعه يعمل دعه يمر ليتطور الأمر الى منهاج الحركة المجتمعى والاحتياج لنظريات متجدده فكانت الكينزية وصياغة جورج مينيارد كينز لها ان الدولة يجب عليها التدخل لكبح غلواء السوق .
مع تطور النظريات الاقتصادية واكب هذا فى المجتمع الانجليزى حراك عمالى تجلى فى حركة الشارتيست لتتطور الى حزب العمال بنهجه الاشتراكى الفابى وتبنيه لسياسات البعد الاجتماعى الطوعى لكبح غلواء الرأسمالية المتطرفة .
كان الناتج فى القطاع الصحى رائعاً ، نظام
ال
NHS
او النظام القومى الصحى فى بريطانيا والذى يكفل العلاج للمواطن ويكفل الدخل الجيد العالى المستوى للطبيب.
حاول الرئيس جمال عبد الناصر استعارة وتطبيق النظام القومى الصحى فى مصر والذى تجلى فى الهيئة العامة للتأمين الصحى والتى كانت تكفل الدخل المرتفع الجيد للطبيب بشرط التفرغ الكامل وبمعنى عدم العمل فى القطاع الخاص.
مع دخول حقبة السبعينات وانتهاءاً بالخصخصة وتسليع الخدمات تم اغتيال منظومة التأمين الصحى بتخلى الدولة عن مسئوليتها فى توفير المرتبات التى تتواكب مع الأسعار ، والأجهزة فى المستشفيات .
فانتهينا الى خصخصة كل القطاعات مشتملة القطاع الصحى .
المعضلة ان الدولة تتبنى اختلاق صراعات فئوية مفسحة المجال للتنفيس الشعبى فئوياً بشرط عدم وضع النقط للتشخيص الصحيح للحل الإنسانى طبياً للطبيب وصحياً للمريض.
دون وجود منظومة تأمين شاملة توفر خدمات صحية كريمة ودخل يواكب دخول السباك وسائق التاكسى والجزار والعامل فى المصانع والمهندس فى الشركات والضابط فى الجيش والإعلامى فى فضائيات الهوس ، ليواكبهم دخلاً للطبيب .
ستظل العلاقة المرضية ما بين يد الطبيب وجيب المريض .
ودمتم .