الطبقية في مصر (1) :أعراس “الإچيبتيين” وعقدة الاستعراض
الطبقية في مصر (1) :أعراس “الإچيبتيين” وعقدة الاستعراض
د. يسري ربيع داوود
حين يصبح البذخ اغترابًا في الوطن.
قراءة في دفتر أحوال القطر المصري :
حين يصبح الاستعراض ثقافة، وحين ينقسم الناس إلى عوالم مختلفة، ينسلخون من جسم المجتمع المصري القويم، فإن المجتمع يعاني، وإن الإنسان العادي يشعر في موطنه بالاغتراب، ذلك حين يشاهد الخلق القويم يضرب به عرض كل حائط .
يبدو لكل ذي نظر (مجموعةٌ) من المشاهدات تعج بها أماكنُ معينةٌ على أرض المحروسة، هذه المشاهدات تعبر عن ثقافات مختلفة، لم تنشأ هذه المشاهدات إلا مع ظهور (الفيس بوك) وبعد ثورات (الربيع) العربي .
طفحتْ على (صفحاتِ) الفيس بوك مجموعةُ (الأكابر) والناسِ (الأغنياء)، فيما أطلقوا عليه (عبثًا) مجموعة (الچيبتيين). موطنهم الأصلي التجمع ومدينتي والرحاب وأي تجمع ينشئه بعض كبار المطورين في القاهرة والساحل الشمالي والعلمين الجديدة، وفي الجونة. يظهرون بملابس، وسيارات، وإكسسوارات، وما إلى ذلك بما لا يعرفه طبقة المصريين
البسطاء من الفقراء والطبقة المتوسطة .
آخر تجمعات هذه الطبقة كانت منذ يومين تحت سفح الأهرامات، في عرس عائلة أحد العائلات المشهورة من أغنى عائلات (الچببتيبن). بدا تجمُعُ الحفل (الباهظ) بعيدًا عن صورة المصريين التي اعتادها أغلب الناس العاديين. (منفوخون) ، بيد المعظم منهم سيجارًا وإن لم يكن مدخنًا، يتحركون بثقةٍ زائدةٍ كأنهم حصلوا على امتيازٍ إلهيٍّ لا يعرفه سائر البشر، وكأن الهواء الذي يتنفسونه من طبقةٍ اجتماعيةٍ مختلفة؛ ابتساماتهم، قهقهتهم، عقولهم، السيجار بين شفاههم، النفخ العقلي يجعلهم غير (واعين) بأنفسهم، ولا بمن يرافقونهم في موكبٍ استعراضيٍّ يبدو أن الغرض منه أن يُرى أكثر مما يُعاش.. فتجدهم بلا إحساس، لا يعنيهم الفخذ العاري، ولا الصدر المفتوح، ولا الجسم الذي يظهر من الفساتين أكثر مما يختفي.
والمفارقة أن هذه الطبقة لم تكتفِ بأن تعيش حياتها الخاصة، بل صارت تعرض تفاصيلها اليومية على الملأ، فتحولت الخصوصية إلى عرضٍ مستمر، وتحول الاستثناء إلى نموذجٍ يحاول كثيرون تقليده، ولو بالديون والتقسيط والأحلام المؤجلة نتساءل حين نشاهد فقراتهم( على مسرحهم) عن الدماء التي تسري في عروقهم أهي دماء الرجولة أم ماء مختلط بالبلازما، حتى يخيل للناظر أنهم ينتمون إلى جنسٍ اجتماعيٍّ مستقل، لا تجمعه ببقية الناس سوى الجغرافيا؟ هذه الطبقة التي فشلت في نفخ (شفاه) زوجاتهم فظهرت كالمسخ. أفرطت في مطاردة معايير الجمال المستوردة حتى غدت بعض الوجوه نسخةً متشابهةً يصعب على الناظر أن يميز بينها. أشكال تسيء نفسية الناظرين وتجعل أصحاب الطبقة ( الدنيا) يحمدون الله على النعمة التي في أيديهم. يحمدون الله ولكن قلوبهم تتمنى أن لو عاشوا يومًا من حياة (الچيبتيبن) الذين ضربوا سورًا حول حياتهم الصاخبة التي تمتلىء بالكثير من ( النخانيخ) يزينون لهم الصفقات المشبوهة وحياة المستنقعات والخرابات، هي حياةٌ صاخبةٌ تختلط فيها الوجاهة الحقيقية بالوجاهة المصنوعة، حتى يكاد الفرق بينهما يضيع. في الجهة المقابلة ظهرت جماعة (الشبيه) ، مجموعة تعيش على الطرف الآخر من هذا المجتمع، شبيه فلان وعلان وتركان. هذه الطبقة نفرد لها حديثًا قادمًا نبرز فيه التحولات المجتمعية الغريبة على المحروسة. وقد يقول قائل: إن هذا المجتمع (الصاخب) موجود منذ فترة لكنه لم يكن بهذا الفحش … نقول : نعم .. ألا قاتل الله تطبيقات التواصل التي كشفت لنا سوءات لم نكن نظن يومًا أنها أمراض قد ضربت جسد الوطن .
وللحديث عن المجتمعات الأخرى بقية… مادام في العمر بقية ،،،،
