طبقات المجتمع (2) : بين مهرجي التيك توك، وفلس الأساتذة
طبقات المجتمع (2) : بين مهرجي التيك توك، وفلس الأساتذة
زلزال الطبقات المصرية
يسري ربيع داوود
ظهر منشور لأحد ( مجانين) التيك توك يحقق رواجًا. الأرباح تتوالى على صانع المحتوى التافه، والعجيب أنه قد أصبح تريندًا.
كان من ضمن التعليقات على المنشور المليوني تعليقٌ لأستاذ دكتور في جامعة القاهرة يقول فيه بعد أن أشار لأحد زملائه أستاذ جامعي آخر :
-” ما رأيك يا دكتور أن نكوِّنَ فرقة ونعمل مقاطع ونكسب ملايين، أنا عن نفسي أطبل لك وأنت تغني!” .
فجاءه رد الدكتور مفاجئًا :
-” أنا مستعد للغناء والرقص معًا ..بدلًا عن الألفين ملطوشًا التي نقبضها كراتب!”.
كان ذلك في أعقاب ثورة يناير وما خلفته لنا من مصائب. أهون هذه المصائب حلم الثراء السريع الذي يلي الثورات، ليس المهم الكيفية، لكن المهم تكوين ثروة بسرعة!
تكونت بعد الثورة طبقة جديدة هي، نتاج الفقر الشديد في جميع مناحي الحياة، فقر فكري، وسياسي، ومعاملاتي، ثورة الصوت العالي العريض (الشوارعي) الذي لا يسمع صاحبه غير نفسه، ولا ينطق إلا بحركات من يديه معًا وبأصوات ( خيشومية) تظهر مع أي عراك حتى ولو كان وديًّا.
هي طبقة الكادحين من أولاد الشوارع التي وجدت في التيك توك ضالتها، بثت (فسادها)من خلاله لتصيب المجتمع كله في أذانه، وعيونه، وإحساسه، والغريب أن هذا النوع من البشر القادمين من قاع المجتمع_ وهو ليس عيبًا_ قد وجد صدى لدى أمثالهم الذين وجدوا أشباههم قد ظهروا على السطح كالقشة في صورة ذهب يلمع وماهو بذهب.
أخذت الطبقة تتسع من المهمشين والراسبين حياتيًّا وتعليميًّا، فغنوا ورقصوا وتكلموا في السياسة والرياضة، وأصبح كل مجال متاح لمن هب ودب. لا يحتاج صاحبها سوى شاشةٍ، وباقة نت ضعيفة تكفي فقط لبث محتواه الفاسد.
بعد سنوات تكونت طبقات تافهة ، تجمع كل لون على شاكلته؛ طبقة مهرجي المهرجانات بسلاسل طويلة لم نشهدها سوى على رقاب الحيوانات الأليفة ،وخواتم في كل الأصابع وطريقة كلام مبتذلة، وملايين مملينة تتسلل يوميًّا إلى حساباتهم. هذه الطبقة الهلامية ما زالت موجودة تصب سمومها في المجتمع الفقير، فترى أحدهم يتكلم عن كمية العقارات التي اشتراها، ومن أقام سرادق عزاء لوالده بتكلفة مليونية، وبإخراج تلفزيوني ليس له مثيل، ومنهم من يبث صوره مع سيارات فارهة، باهظة، في فقرات كيد متصلة للشعب الذي لا يحيد عن تربيته السليمة، مجتمع يكتفي فقط بمصمصة الشفاه وتلاوة دعاء : إنما العيش عيش الآخرة، يقولها وهو يتمنى لو عاش فقط كريمًا لا يتكفف. ومن الممكن أن بعض هؤلاء المتسلقين لا يجيد الوقوف أمام الكاميرا. طبقة مهرجي المهرجانات في مقابلاتهم التلفزيونية_بوصفهم نجوم للمجتمع الفقير_ يتحدثون عن طفولتهم البائسة، والأسرة المفككة، وتناول المخدرات وغيرها من معوقات الحياة التي دفعتهم دفعًا لهذا الطريق المليوني، هم لا يعون خطر ظهورهم الذي قد يكون سببًا لدفع البعض إلى حالات الانتحار الأخيرة، وأتخيل أن بعض المنتحرين قد أخذ القرار بعد أن قال في سره : لا فائدة. والدولة وسط كل هذه التحديات الجديدة في مجتمعنا تقوم بشطب الغلابة من بطاقات التموين وترفع أسعار الكساء والدواء والنفط، فيصبح المجتمع بين طبقات مختلفة، كلها فاسدة ما عدا طبقة الكادحين الذين لا يجيدون فن السرقة فيصبحوا رجال أعمال، ولا يجيدون استعمال الكاميرات فيصبحوا من طبقة المهرجين الهلامية. ما أشد بؤس الشعب المليوني الذي يجد نفسه مضطرًا للوقوف أمام موجات فساد متتالية، تأتيه من كل الجهات، تحمل معها إغراءات كثيرة، ويجد الله أمامه فيحمد الله على ماهو فيه ، ويأتي السؤال: هل سيقاوم طويلًا أمام هذه الموجات العبثية أم سيجد نفسه رديفَ فاسدٍ أو مهرجٍ فيخسر دنياه ونفسه وآخرته ؟ المجتمع يعج بالطبقات المختلفة تتناحر في صمت، في انتظار طامة توحد هذا التعدد الطبقي.
وهناك طبقات أخرى نتكلم عنها في مقالات تالية .
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية ،،،،
…..
