الطب وفوضى الإعلام

بعض الأسئلة تُلحّ على عقلي في كل مرة أجلس فيها أمام الشاشات، سواء المرئية أو المسموعة أو المقروءة.

كمواطنة عادية تجلس أمام الشاشات في وقت فراغها لمشاهدة مسلسلها المفضل، أو برنامج للطبخ يخرجها من حالة الملل والروتين اليومي، ومعاناة بعض الأمراض العادية والمزمنة التي لم تصدق أنها حقًا تعاني منها رغم صغر سنها؛ أن تجد فجأة أمامها إعلانات تعيد لها صحتها دون أن تتحرك من مكانها، وتوفر عليها رحلة البحث عن عيادة، وحق المواصلات، وأجرة الطبيب.

وبدون وعي، تتأثر وتصدق، خاصة إذا كان المصدر طبيبًا يحمل السماعة على كتفه، ويعرّف نفسه بدرجته العلمية ومسماه الوظيفي. فيقف ويشرح حالتك “العامة” وأعراضها التي تنطبق عليك في بضع دقائق بطريقة براقة؛ فبدون وعي تتأثر وتصدق وتطبق!

ولا شك أن الأمر يبدأ بعلاج بسيط لحالات البرد مثلًا، فتُشفى سريعًا؛ فتعتمد العلاج وتنصح به أهلك وجيرانك وأصدقاءك! فأصبحت طبيبًا بالنقل، وأنت تكاد تفك الخط وتحمل نفسك بالعافية.

والطامة الكبرى أن تكون إنسانًا متعلمًا وصاحب وعي، وتصبح طبيبًا أيضًا بالنقل!
دون مراعاة لوجود الأمراض المزمنة كالضغط مثلا.. وهو مرض ليس بالبسيط حتى مع أدوية البرد البسيطة والتي لابد أن تأخذ تحت إشراف طبيب “واسأل مجرب”.

ونقيس على ذلك تفاقم الأمور واتساع دائرة المرض، المزمن منه والخطير. ولِمَ لا، وأنت من شربت السم في العسل منذ البداية، وألغيت عقلك، فنقلت وسيلة العلاج أيضًا بالطريقة نفسها التي فاقت انتشار النار في الهشيم.

_ ثم تكون الخطوة الأكثر خطورة على العقول التي أهلكتها الظروف المعيشية، أن يأتي مذيع لامع له قاعدة جماهيرية لا بأس بها في قناتهم المفضلة بطبيب لا يتجاوز عمره المهني خمسة عشر عامًا، ليس لأنه طبيب صاحب خبرة عملية، ولكن لأن له أفكارًا شاذة عن المألوف.

وهنا لا بد لنا من وقفة حقيقية كمجتمع يريد أن يتقدم لا أن يعود إلى عصر العطارين.

وهنا أيضًا أتوقف كمواطنة عادية تزعم أن لها قدرًا من العقل، وأتساءل: لماذا يقوم مذيع، لمجرد أن له قاعدة جماهيرية، بمحاورة طبيب، وليس لديه رد علمي واحد يُبنى عليه التمييز بين الخطأ والصواب؟

فيسترسل الطبيب ويشطح بالعقول المتعبة حتى تتأثر وتصدق وتطبق، لمجرد أن مذيعهم اللامع يقول: “يا سلام”!

وهنا كلمة “يا سلام” تعبر عن انبهار المذيع بأفكار الطبيب، فينعكس ذلك على المشاهد؛ فيشاهد الحلقة ليلًا آلاف المواطنين، وفي الصباح يسمعها ملايين المواطنين!

وهكذا أصبحنا نعيش؛ نسمع ونتأثر فنطبق.

فتأخذ الأمور منعطفًا أكثر رعونة في الانتشار، ليصبح بلغة العصر “ترند”، وينتقل إلى العالم الأزرق الأكثر رعبًا في الانتشار والتناقل والتداول على مر الأيام والشهور والسنين، حتى يصبح واقعًا لا مفر منه، يعاني منه المجتمع ككل بصفة عامة، والمجتمع المتخصص في المجال الطبي بصفة خاصة.

_️ ومن هنا تبدأ معركة الوعي الحقيقي، والتي للأسف يحاول فيها أصحاب الحق إثبات الحق.

ولأننا بشر، فمنّا من أعطاه الله القدرة على التصدي باللسان والنصح دون كلل، وهم -للأمانة- قلة قليلة. ومنهم من يكتفي بنصح دائرته المقربة وفقط. ومنهم من يتركك حتى تنال جزاء انجرافك، وترى تأثيره بنفسك على نفسك، وينتظرك حتى تأتيه راغبًا لا راغمًا.

_️ وهنا لا بد لنا من وقفة حقيقية إذا أردنا الصالح العام وصحة المواطن، والتي يتوقف عليها مستقبل وطن بأكمله.

ولا بد أن ننقل السؤال إلى الأجهزة السيادية في الدولة، وأخطرها على الإطلاق جهاز الإعلام بكل فروعه.

_️ لماذا لا تكون هناك رقابة صارمة على المحتوى المقدم في شتى المجالات الأدبية والثقافية والطبية، والذي يتلقاه القاسم الأعظم من الشعب بكل فئاته وعلى جميع الأصعدة؟

_️ وسؤال آخر لأصحاب العقول التي أزعم أن لها قدرًا من العلم والثقافة، والتي تحمل أرواحها وأرواح ذويها وكل من لهم دلال عليهم:

هل أصبحت وسائل الإعلام بصفة عامة، وأخطرها وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك وجميع المنصات، مصدرًا جديدًا لعلاج الإنسان من كل الأمراض، المزمن منها والخطير، عن بُعد؟ وهل هي وسيلة آمنة للعلاج؟

ولم أسأل هذا السؤال بالتحديد من فراغ؛ لأن الأزمة الأخيرة التي هزت الوسط الطبي بصفة خاصة، والوسط الثقافي بصفة عامة، جعلتني أتوقف مع نفسي، ودار في عقلي -الذي يشقيني دائمًا بكثرة الأسئلة التي تلح عليه في مثل هذه القضايا التي تمس الصالح العام- سؤال مهم:
هل نحن مثقفون حقيقيون؟ أم مثقفون بالاسم، ونحمل في عقولنا ما لا تُحمد عقباه، وفقط ننتظر “الترند” بلغة العصر حتى يظهر جهلنا المغلف بورق الشهادات؟

_️ وسؤال أخير حتى لا أشقيكم كما يشقى عقلي المزدحم بالأسئلة:
كيف لمثقف وصاحب عقل وعلم أن ينساق وراء “ترند” لمجرد أنه اقتنع بوجهة نظره، دون أن يعود إلى الثوابت، أو حتى دون أن ينتظر نتيجة الدراسة العلمية لهذه الظاهرة؟

وأخيرًا، وليس آخرًا، لا يسعني إلا أن أقول: إن المنظومة التخريبية على جميع المستويات، للأسف، قد اكتملت. فلا شك عندي أن القادم أسوأ إن لم ننتبه، وتتضافر الجهود، وتتقارب وجهات النظر.
وإن لم نفعل، فهل يحق لنا أن نلوم المواطن البسيط، وأعلى المنازل العلمية والثقافية والإعلامية تخرج علينا في كل وسائل التواصل بلا استثناء، دون ردود أفعال حقيقية؟
ما حدث وما يحدث وما سيحدث وصمة عار على جبين أي مثقف وواعٍ حقيقي.
وللأسف، في ظل هذا الانفلات التكنولوجي، الجميع بلا استثناء في ورطة حقيقية، إن لم تُعالج الأمور بحكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى