التريند يحكم… والعدالة تنتظر: من يسيطر على القرار؟ بقلم – أشرف الجبالي
التريند يحكم… والعدالة تنتظر: من يسيطر على القرار؟
بقلم – أشرف الجبالي
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي لاعبًا ضاغطًا لا يهدأ، بات من الواضح أن بعض القرارات لم تعد تُصنع بهدوء داخل مؤسسات الدولة، بل تحت وطأة ما يُسمى بـ“التريند”، وكأن إدارة الشأن العام تحولت من منطق التقدير والتحقيق إلى منطق رد الفعل السريع لإرضاء موجة عابرة. لا أحد ينكر أن السوشيال ميديا منحت الناس صوتًا، وكشفت وقائع ما كان لها أن ترى النور، لكن الخطورة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه المنصات إلى جهة ضغط تفرض إيقاعها على متخذ القرار، فينساق البعض وراءها بدافع تهدئة الرأي العام أو الظهور بمظهر المتحرك السريع، لا بمظهر المسؤول الذي يزن الأمور قبل أن يحكم.
ما يحدث في بعض الوقائع يطرح علامات استفهام لا يمكن تجاهلها؛ إذ تقوم الدنيا على شخص خلال ساعات، تُنهش سمعته، ويُتداول اسمه على نطاق واسع، وتُبنى ضده روايات قد تكون مجتزأة أو غير دقيقة، ثم بعد التحقيقات الرسمية، يتبين أن الصورة مختلفة، وربما يُخلى سبيله بضمان محل إقامته، بعد أن يكون قد دفع ثمنًا معنويًا واجتماعيًا باهظًا لا يمكن تعويضه. هنا لا يكون الخطأ في منصة أو منشور، بل في طريقة التعامل مع هذا الضغط، وفي قابلية بعض المسؤولين لاتخاذ قرارات متعجلة بدافع “امتصاص الغضب”، حتى وإن جاء ذلك على حساب العدالة أو سمعة الأبرياء.
الدولة لا تُدار بمنطق “شوفوني أنا اتحركت”، ولا تُبنى بقرارات انفعالية تصدر تحت ضغط لحظي، لأن هذا النهج لا يضر فقط بالأفراد، بل يفتح الباب لترسيخ فكرة خطيرة مفادها أن من يرفع صوته أكثر على السوشيال ميديا، هو من يفرض القرار، وهو ما يخلق بيئة خصبة لتصفية الحسابات، وتوجيه الرأي العام، واستغلال العواطف لتحقيق أجندات لا علاقة لها بالحقيقة. والأسوأ من ذلك أن هذا المناخ قد يدفع إلى تلفيق وقائع أو تضخيمها، فتُهدم بيوت، وتتشرد أسر، ويُتهم أبرياء، فقط لأن “التريند” قرر أن يسبق التحقيق.
إن التريث ليس ضعفًا، بل هو جوهر المسؤولية، والتحقق ليس رفاهية، بل هو أساس العدالة. أما الانسياق وراء موجات رقمية متقلبة، فهو دليل على ارتباك في إدارة القرار، لا على قوة في الاستجابة. المطلوب ليس تجاهل السوشيال ميديا، بل وضعها في حجمها الطبيعي: مصدر إشارة يحتاج إلى تدقيق، لا منصة لإصدار الأحكام. فالدول تُبنى بالمؤسسات، لا بردود الأفعال، وتُحمى بالعدل، لا بالاستجابة السريعة التي قد تُرضي لحظة، لكنها تُفسد ميزانًا كاملًا. وإذا لم يُدرك متخذ القرار هذه الحقيقة، فإننا نكون أمام خطر حقيقي، ليس فقط على الأفراد، بل على ثقة المجتمع بأكمله في عدالة الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها بحكمة وثبات.
الكاتب الصحفي أشرف الجبالي