الطبقة الثالثة : الطوفان القادم (3) : المخدراتية و الحشاشين !!

كنت قد أزمعت الكتابة عن الطبقة الثالثة في مجتمعاتنا، وهي طبقة الحشاشين والمخدراتية، أردته مقالاً عاديًّا فوجدتني أكتب قصةً قصيرةً عن هذا الوباء المستفحل والمتعاظم شيئًا فشيئًا. تركته جانبًا لأنشره في صحيفة ورقية باهظة الشهرة، ولأجل ذلك لم أنشرها.

والآن استحضرت عقلي لأكتب عن الطبقة الثالثة، عن الطوفان القادم ليأكل الأخضر واليابس.

أخذت فنجان قهوتي وشيئًا من الحلوى ضد نظام الطيبات الذي أدعمه وبدأت في كتابة المقال .

لك أن تتخيل أن هذا المشهد المأساوي الذي سأحدثكم عنه قد رواه لي من هو مهتم بهذا الشأن الشبابي، وقد تراه عاديًّا لكنني لا أراه كذلك أبدًا. حكى لي أنه ذات يوم استقل سيارة أجرة من أمام بيته، كان موقعه خلف السائق الذي يجلس بجانبه أشهر الديلرات في المنطقة. يتكلمون بصوت عال عن سيجارة حشيش يطلبها السائق من الديلر الجالس بجواره ينشر معجمه هنا وهناك بلا خجل أمام مجتمع الراكبين. تدخل مصدري في الحديث، فسمع شيئًا غير طبيعي، المخدرات تباع جهارًا نهارًا، غير عابئين بالناس، فكأنهما هما الحقيقة الوحيدة ومن حولهم غثاااء!

هنا يأتي التساؤل: كم حجم هذه الطبقة الآن ؟
ولكي أجيبك عزيزي القاريء عن هذا التساؤل، أحيلك إلى تساؤل آخر يجدر بك أن تجيب عليه بنفسك:

من خلال المشاكل اليومية غير المعتادة من حولنا، والجرائم المنتشرة في الشوارع والمحافظات كثيرًا، هل هذه الوجوه هي نفس وجوه المصريين؟ هل هي الأخلاق التي تربينا عليها؟ هل طريقة الكلام هي نفس الطريقة المهذبة من عقود مضت ؟ بالأمس كنت أشاهد برنامج المقالب القديم للراحل إبراهيم نصر، وجدت أن الناس قديمًا لا يصلون للعصبية إلا بعد فترة، وإذا وصلوا لقمةِ الاستفزاز فإنهم لا يسبون، ولا يضربون، ولا يقدمون على أفعال تشين. كان الناس يخشون الفضيحة. الآن يقبل الشباب والكبار على العراك والفضيحة بمجرد اللمس، تاتش.

هذا يجيبنا على نصف التساؤل الذي طرحته عزيزي القاريء افتراضيًّا، إن طبقة المخدراتية تزداد لأبعد حد، وهي على مرأى ومسمع من الجميع ومن الحكومة بصفة خاصة في كل مكان على أرض المحروسة .

كنت ذات يوم أجلس مع مجموعة من أصدقائي القدامى، وتحدثنا في هذا الموضوع، يومها قال لي أحدهم: عليك أن تكتب في هذا الموضوع الخطير!
قلت له :وما أمارتك ؟
قال: إن أردت أمارة فاحضر إلى الموقف في ساعة متأخرة من الليل لترى كمية الشباب المتهاوية في أرجاء المكان، وإن كنت لا تسهر فاذهب من بعد العشاء إلى داخل مركز شباب الحي، توغل في أرجائه لترى (رچيم) كبير الديلرية وهو يوزع على الشباب جهارًا نهارًا، عيانًا بيانًا، وإن كنت لا ترغب في الذهاب هنا أو هناك فانظر أحد الشوارع الكبيرة في البلد لترى التوزيع العلني على قارعة الطريق.

الموضوع جد خطير، والحكومة على علم به من خلال رجال الأمن في كل مكان، وعندما أتكلم عن هذه الأماكن الثلاثة في بلدي فإن كل محافظة من محافظات المحروسة بها نفس تلك الأماكن وأكثر، لكنني لا أعلم سبب تقاعس الأمن بهذه الطريقة؛ ألا يوجد مكان في السجون والإصلاحيات يسعهم لكثرتهم؟ إن الطبقة تتسع، ويتسع معها خطر داهم يدق على باب كل بيت به شاب في مرحلة المراهقة. المجتمع لم يعد قادرًا على مجابهة هذا الخطر، لم يستطع طرد هذه الطبقة أو حتى التقطيب في وجوه أصحابها الكالحة؛ رغبة من كل واحد أن يكفي خيرَه شرُّه، وطالما أن بيته في أمان فلا خوف عليهم يومئذ ولا هم يحزنون ! لغة الشوارع أفسدت الذوق العام، ومعظم سائقي التكاتك يحملون مشاعل التهور والغياب عن الوعي، وجرائم الاختطاف، والضوضاء، ولي في كل كلمة دليل وعلامة . أتذكر يومَ كنا في الإعدادية كنا نذهب للعزاء، وندعى في الأفراح ونحافظ على الصلاة، ونحضر مجالس العلم، ونخاف من الفضيحة، أما الآن فيمكنك مطالعة ڤيديوهات تكسير الطاولات وضرب المراقبين بعد كل امتحان لتعلم إلى أين وصل المجتمع أخلاقيًّا. في أحد الأيام كنت أعاني صداعًا وألمًا في رأسي، وطلب مني صديقي أن أربط رأسي بمنديلي القماش، فرفضت خشية أن يصفني الناس بالخلاعة، هذه كانت إحدى علاماتها. ومما يضحكني وأنا أروي لكم هذه الحكاية أنني شاهدت شابًا يسلط الكاميرا على سلساله الرخيص في رقبته، وعلى كمية الأساتك الرخيصة في معصمه ، وعلى وقفته الخليعة أمام الكاميرا وكأنه يرسل رسائل للغواية والشياطين بأنه لا يمانع الدخول في طبقة المتشبهين بالنساء من الرجال ، يريد الدخول إلى نادي النساء السري !

الطبقة المخدراتية تتسع وأثرها يعم البيوت من خلال ملابسهم وكلامهم وأصواتهم وحلاقاتهم.. الموضوع خطر والشرارة أضرمت النار في الهشيم والدائرة تتعاظم .. فانتبهوا لهذا النذير .

وللحديث بقية ما دام في العمر متسع وبقية ،،،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى