المؤثرات العابرة للثقافات في مراسم عاشوراء – مقال رأي
المؤثرات العابرة للثقافات في مراسم عاشوراء – مقال رأي
نزار الحاج علي
رغم أن الحدث التاريخي وقع في بقعة جغرافية محددة (#كربلاء)، إلا أن الطقوس المصاحبة له لم تولد فجأة، بل انبعثت من طبقات عميقة من موروثات وثقافات قديمة تداخلت عبر القرون لتصنع هذا المشهد المعقد.
إذا قمنا بتفكيك هذه المراسم كطبقات تاريخية ونفسية، سنجد أنها تمثل نقطة التقاء مثيرة بين الأساطير العراقية القديمة، الملحمة الفارسية، والطقوس المسيحية الأرثوذكسية.
الطبقة الأولى: الأساطير العراقية القديمة
اللطم على الصدور، والنواح الجماعي، وعويل النساء في عاشوراء؛ كلها طقوس تضرب بجذورها عميقاً في تربة وادي الرافدين قبل الإسلام بآلاف السنين.
في الثقافتين السومرية والبابلية، كان طقس “البكاء على تموز” (دوموزي) هو الحدث السنوي الأبرز. تموز هو إله الخصب والشباب البريء الذي يُقتل ويُساق إلى العالم السفلي غدراً، فتدخل الأرض في حالة عقم وحزن. كانت النساء العراقيات القديمات يجتمعن في مواكب عارمة، يلطمن صدورهم، ويشقشقن الجيوب، وينحن بنحيب شجّي ينعى “الابن البار المقتول”.
هذا النمط للحزن على الرمز المظلوم ظل كامناً في الشخصية العراقية. وعندما وقعت حادثة كربلاء على نفس التربة التاريخية، استيقظت هذه البنية الطقسية الجاهزة فوراً، وتحول “البكاء على تموز” تاريخياً إلى “بكاء على الحسين عليه السلام “، ليمارس المجتمع نفس آليات التعبير عن الفجيعة التي ورثها في لاوعيه الجمعي.
الطبقة الثانية: الشاهنامة والفضاء الإيراني
إذا كان العراق القديم قد منح الطقس روحه التعبيرية اللطم والنواح، فإن الموروث الفارسي منحها قالبها القصصي والمسرحي، وتحديداً عبر أسطورة “مقتل سياوش” المخلدة في ملحمة الشاهنامة للفردوسي.
سياوش في الوجدان الفارسي هو تجسيد للطهر والنقاء، يُقتل مظلوماً في أرض غربة وتُقطع حنجرته. أنتجت هذه الملحمة طقساً سنوياً إيرانياً قديماً يرتدي فيه الناس السواد، ويسيرون في مسيرات ملحمية، ويعيدون تمثيل مشهد قتله بشكل درامي.
مع تحول إيران نحو #المذهب_الشيعي، جرى إسقاط هذا الإرث الملحمي على واقعة عاشوراء: حيث أُخذت آليات محاكاة مقتل سياوش بالكامل وصُبت في تمثيل واقعة مقتل الحسين عليه السلام ، حيث يُقسم المسرح بدقة إلى معسكر الخير ومعسكر الشر.
المؤثرات المسيحية الأرثوذكسية (إدخال السلاسل والدم)
هنا نصل إلى التحول الأكثر راديكالية في الطقس: كيف تحول الحزن من البكاء واللطم باليد إلى ضرب الظهر بالسلاسل وشق الرؤوس بالسيوف؟
هذا التحول بريء تماماً من الأصول العربية أو العراقية القديمة، وحتى من طقس سياوش الذي كان يمنع إسالة الدم عَمداً. الجواب يكمن في السياسة الصفوية (القرن 16 الميلادي) وتماسها مع الثقافة المسيحية الأرثوذكسية في القوقاز (أذربيجان وجورجيا).
في مسيرات “آلام #المسيح عليه السلام “السنوية، حيث كان يمارس بعض المسيحيون الأرثوذكس طقوساً تعبيرية قاسية تشمل:
جلد الظهر بالسلاسل والسيور جلداً عنيفاً تماهياً مع جلد المسيح قبل الصلب.
حمل صلبان حديدية ضخمة ورايات ثقيلة في مسيرات منظمة.
الملوك #الصفويون، وبمساعدة القبائل التركمانية والآذرية المنحدرة من مناطق التماس مع القوقاز، أعجبوا بهذا الاستعراض الجسدي العنيف الذي يعكس الفداء والشجاعة البدنية، فنقلوا هذه الطقوس المسيحية بحذافيرها وألبسوها لبوساً حسينياً. أصبح جلد المسيح بالسلاسل هو “ضرب الزنجيل” للحسين، وأصبح تسييل الدم لأجل المخلِّص هو “التطبير” بالسيوف.
في المحصلة، إن ما نراه اليوم في مجتمعات عاشوراء ليس مجرد شعيرة دينية مجردة، بل هو متحف حي، تلاقت فيه أطراف التاريخ:
اللطم والنواح: صدى سومري بابلي قديم لبكائيات تموز.
الدراما والمسرح والملحمية: صياغة فارسية مستلهمة من أبطال الشاهنامة وسياوش.
السلاسل والسيوف وإسالة الدم: محاكاة صفوية لطقوس الآلام المسيحية الأرثوذكسية في القوقاز.
كل هذه العناصر صهرها “اللاوعي الجمعي” لإنتاج طقس تعبيري عابر للزمن، يعكس كيف تعيد البشرية إنتاج قصصها المفضلة عن “البطل المظلوم” بأساليب مختلفة ولكن من نبع نفسي واحد.